جددت منظمة “مظلوم دار” (Mazlum-Der) الحقوقية مطالبها لوزارة العدل التركية بتعليق تنفيذ العقوبة الصادرة بحق السجين المسن عبد الله طربان، البالغ من العمر 74 عامًا، محذرة من أن استمرار احتجازه في ظل تدهور حالته الصحية يشكل خطرًا حقيقيًا على حياته.
وفي عريضة رسمية وجهتها إلى الوزارة، اعتبرت المنظمة أن استمرار إبقاء طربان، المتهم بالصلة بحركة كولن، داخل السجن يتعارض مع المبادئ القانونية والإنسانية، خاصة في ظل التقارير الطبية التي تؤكد معاناته من أمراض مزمنة وخطيرة أفقدته القدرة على الاعتماد على نفسه في تلبية احتياجاته اليومية.
وأكدت المنظمة أن تعليق تنفيذ العقوبة بات ضرورة إنسانية وقانونية، مطالبة السلطات بالتدخل العاجل قبل حدوث مضاعفات قد تكون غير قابلة للتدارك.
تناقض في تقارير الطب الشرعي يثير انتقادات واسعة
ركزت المنظمة الحقوقية في مذكرتها على ما وصفته بالتناقض الواضح في تقارير مجلس الطب الشرعي التركي (ATK)، إذ أقرت التقارير بأن عبد الله طربان أصبح بحاجة إلى مساعدة السجناء الآخرين في أداء أبسط متطلبات الحياة اليومية، لكنها خلصت في الوقت نفسه إلى أنه قادر على البقاء داخل السجن.
واعتبرت “مظلوم دار” أن هذا التقييم يجمع بين نتيجتين متعارضتين بصورة تتنافى مع المنطق والمعايير الإنسانية، مشيرة إلى أن الاعتراف بعدم قدرة السجين على رعاية نفسه يفترض قانونًا إعادة النظر في استمرار تنفيذ العقوبة بحقه.
أمراض مزمنة ومتفاقمة تهدد حياته
تعكس الملفات الطبية الخاصة بطربان تدهورًا متواصلًا في وضعه الصحي، إذ يعاني من مجموعة من الأمراض المزمنة والحادة، من أبرزها داء السكري، وارتفاع ضغط الدم، واعتلال الأعصاب، ومشكلات حادة في الإبصار.
وأشارت المنظمة إلى أن تقارير طبية، من بينها تقارير صادرة عن مجلس الطب الشرعي نفسه، وثقت وجود أضرار كبيرة في الجهاز العصبي والعضلات والعينين، وهو ما يجعل حالته الصحية أكثر هشاشة مع استمرار احتجازه.
كما كشفت أن السجين تعرض في فبراير الماضي لحالة فقدان وعي استدعت نقله إلى المستشفى، ورغم توصية الأطباء بإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لاستكمال تشخيص حالته، فإن هذا الفحص لم يُنفذ حتى الآن.
وترى المنظمة أن التأخر في استكمال الإجراءات الطبية اللازمة يثير تساؤلات جدية بشأن مستوى الرعاية الصحية المقدمة له داخل السجن.
مطالب بتوضيح ظروف الرعاية داخل السجن
لم تقتصر مطالب “مظلوم دار” على تعليق تنفيذ العقوبة، بل دعت وزارة العدل إلى توضيح ما إذا كان السجين يتلقى الرعاية الطبية المناسبة، وما إذا كانت إدارة السجن توفر له نظامًا غذائيًا يتلاءم مع الأمراض المزمنة التي يعاني منها، وفي مقدمتها السكري وارتفاع ضغط الدم.
وأكدت أن توفير العلاج والرعاية الصحية الكافية يمثل التزامًا قانونيًا على الدولة، خاصة بالنسبة للسجناء كبار السن الذين يعانون أمراضًا خطيرة.
إدانة استندت إلى أنشطة اعتبرتها السلطات دليلاً على الارتباط بحركة كولن
تعود قضية عبد الله طربان إلى الحملة الأمنية الواسعة التي أعقبت محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في يوليو 2016.
فقد اعتُقل للمرة الأولى في 16 أغسطس 2016، وقضى نحو تسعة عشر شهرًا رهن الحبس الاحتياطي قبل أن تصدر بحقه المحكمة الجنائية العليا الثالثة في تكيرداغ حكمًا بالسجن لمدة سبع سنوات ونصف.
واعتمدت المحكمة في إدانته على مجموعة من الأنشطة التي اعتبرتها السلطات مؤشرات على ارتباطه بحركة الخدمة، المعروفة إعلاميًا بحركة فتح الله كولن، وشملت امتلاك حسابات وإيداعات مالية لدى بنك آسيا، والاشتراك في صحف ومجلات مرتبطة بالحركة، وإرسال أبنائه إلى مدارس أغلقتها السلطات لاحقًا بدعوى ارتباطها بالحركة، وتقديم تبرعات لمؤسسات خيرية ذات صلة بها، والعضوية في إحدى المؤسسات المرتبطة بالحركة.
وبعد تأييد الحكم من قبل محكمة التمييز التركية، أُعيد اعتقاله في 25 فبراير 2025 لاستكمال تنفيذ العقوبة.
خلفية سياسية وقضائية
تندرج قضية طربان ضمن الملفات المرتبطة بحملة الملاحقات التي تشهدها تركيا منذ عام 2016 ضد الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بالانتماء إلى حركة كولن.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد بدأ استهداف الحركة بصورة متزايدة عقب تحقيقات الفساد التي اندلعت في ديسمبر 2013، والتي طالت مسؤولين حكوميين وأفرادًا من دائرته المقربة، واعتبرها مؤامرة تقف وراءها الحركة.
وفي مايو 2016 صنفت الحكومة التركية الحركة منظمة إرهابية، قبل أن تتوسع حملة الاعتقالات والإجراءات القضائية بصورة غير مسبوقة عقب محاولة الانقلاب في يوليو من العام نفسه، التي تتهم أنقرة رجل الدين الراحل فتح الله كولن، الذي توفي عام 2024 في الولايات المتحدة، بتدبيرها، وهو اتهام ظلت الحركة تنفيه باستمرار، مؤكدة عدم ضلوعها في أي نشاط إرهابي أو في محاولة الانقلاب.
القانون يسمح بتعليق العقوبة… لكن التطبيق محدود
ينص قانون تنفيذ العقوبات والتدابير الأمنية في تركيا على إمكانية تعليق تنفيذ عقوبة السجين إذا كان يعاني مرضًا خطيرًا أو إعاقة تمنعه من تدبير شؤون حياته بنفسه داخل السجن، شريطة ألا يشكل خطرًا جديًا أو ملموسًا على المجتمع.
ورغم وضوح النص القانوني، تؤكد منظمات حقوقية أن هذا الإجراء لا يُطبق في كثير من الحالات، حتى بالنسبة للسجناء الذين يعانون أوضاعًا صحية حرجة.
وترى هذه المنظمات أن تقارير مجلس الطب الشرعي غالبًا ما تشكل العقبة الرئيسية أمام الإفراج الصحي، إذ تمنح السلطات مبررًا قانونيًا للإبقاء على سجناء يعانون أمراضًا خطيرة خلف القضبان.
أزمة السجناء المرضى في تركيا
تعيد قضية عبد الله طربان تسليط الضوء على ملف السجناء المرضى في السجون التركية، الذي أصبح محل انتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية.
وبحسب جمعية حقوق الإنسان التركية (İHD)، يوجد حاليًا أكثر من 1400 سجين مريض داخل السجون التركية، بينهم مئات في أوضاع صحية حرجة.
وتتكرر الشكاوى المتعلقة بتأخر نقل المرضى إلى المستشفيات، وضعف الخدمات الطبية داخل العيادات التابعة للسجون، إضافة إلى صدور تقارير من الطب الشرعي تسمح باستمرار احتجاز سجناء يعانون أمراضًا تهدد حياتهم.
ويرى حقوقيون أن هذه الممارسات تثير تساؤلات بشأن مدى التزام السلطات التركية بالمعايير الدولية الخاصة بحقوق السجناء، ولا سيما كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.
دلالات
تكشف قضية عبد الله طربان عن إشكالية أوسع تتعلق بآلية التعامل مع السجناء المرضى في تركيا، حيث يبرز التباين بين النصوص القانونية التي تتيح تعليق تنفيذ العقوبة لأسباب صحية، وبين التطبيق العملي الذي يعتمد بصورة كبيرة على تقارير مجلس الطب الشرعي، والتي كثيرًا ما تواجه انتقادات بسبب ما يعتبره حقوقيون تضييقًا في تفسير معايير “اللياقة للبقاء في السجن”. ويؤدي هذا الواقع إلى استمرار احتجاز عدد من السجناء رغم تدهور أوضاعهم الصحية بصورة خطيرة.
كما تعكس القضية استمرار الجدل المرتبط بالملاحقات القضائية الواسعة التي أعقبت محاولة الانقلاب عام 2016، والتي لا تزال تلقي بظلالها على أوضاع آلاف السجناء المرتبطين بملفات حركة غولن. وفي ظل تصاعد الانتقادات الحقوقية الدولية لأوضاع السجون في تركيا، يتوقع أن يبقى ملف السجناء المرضى أحد أبرز القضايا المطروحة في النقاشات المتعلقة بحقوق الإنسان وسيادة القانون في البلاد.
خلاصة
طالبت منظمة “مظلوم دار” وزارة العدل التركية بتعليق تنفيذ عقوبة السجين المسن عبد الله طربان، مؤكدة أن استمرار احتجازه رغم تدهور حالته الصحية يشكل تهديدًا مباشرًا لحياته ويتعارض مع المعايير القانونية والإنسانية.
وتعيد القضية تسليط الضوء على أوضاع أكثر من 1400 سجين مريض في تركيا، وسط انتقادات متواصلة لتقارير الطب الشرعي وآليات تطبيق القوانين المتعلقة بالإفراج الصحي عن السجناء.

