وجّهت منظمة العفو الدولية انتقادات حادة إلى السلطات التركية، مطالبة برفع الحظر الشامل المفروض على التظاهرات والأنشطة الجماهيرية في العاصمة أنقرة، والإفراج الفوري عن جميع الأشخاص الذين اعتُقلوا أو وُضعوا رهن الإقامة الجبرية على خلفية الإجراءات الأمنية قبيل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبرة أن التدابير المتخذة تمثل تقييداً غير مبرر للحريات الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي.
وجاءت هذه الدعوة في وقت تتسع فيه حملة الاعتقالات المرتبطة بالتحضيرات الأمنية للقمة، إذ ارتفع عدد الموقوفين الذين قررت المحاكم إيداعهم السجن الاحتياطي إلى 178 شخصاً، في مؤشر على اتساع نطاق الإجراءات القضائية والأمنية المصاحبة للحدث الدولي.
حظر شامل للتجمعات في أنقرة حتى ما بعد انتهاء القمة
بدأ تنفيذ قرار حظر جميع التجمعات العامة والفعاليات في ولاية أنقرة اعتباراً من منتصف ليل الثامن والعشرين من يونيو/حزيران، على أن يستمر حتى نهاية يوم العاشر من يوليو/تموز، أي بعد يومين من انتهاء أعمال قمة الناتو المقررة يومي السابع والثامن من يوليو.
وكانت ولاية أنقرة قد أعلنت القرار في الثاني والعشرين من يونيو، مبررة الخطوة بضرورات حماية الأمن القومي، واتخاذ تدابير أمنية استثنائية تزامناً مع استضافة العاصمة التركية لاجتماعات قادة دول الحلف.
كما أوضحت السلطات المحلية أن القيود تهدف إلى منع دخول الأشخاص والمركبات غير المصرح لهم إلى المناطق الحساسة المرتبطة بالقمة، بما في ذلك مركز انعقاد الاجتماعات، والفنادق المخصصة لإقامة الوفود الرسمية، إضافة إلى الطرق التي ستستخدمها الوفود المشاركة.
منظمة العفو: الحظر الشامل اعتداء غير مبرر على الحقوق الأساسية
أكدت إستير ميجور، نائبة مدير البحوث في أوروبا بمنظمة العفو الدولية، أن الحظر المفروض على جميع أشكال الاحتجاج السلمي في أنقرة يمثل “هجوماً مفرطاً وغير قابل للتبرير” على الحق في حرية التجمع السلمي وحرية التعبير.
وشددت المنظمة على أن السلطات التركية مطالبة بضمان حماية الحق في الاحتجاج السلمي، بدلاً من توظيف مبررات الأمن القومي بصورة عامة لتقييد الحريات أو احتجاز الأفراد دون وجود أدلة فعلية على ارتكابهم مخالفات أو جرائم.
كما أكدت أن اللجوء إلى الحبس الاحتياطي يجب أن يبقى إجراءً استثنائياً لا يُستخدم لمنع المواطنين من ممارسة حقوقهم الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها حرية التعبير والتجمع السلمي.
حملة أمنية واسعة واعتقالات طالت أطيافاً مختلفة
تعود جذور القضية إلى حملة أمنية واسعة نُفذت فجر الثالث والعشرين من يونيو/حزيران، عندما شنت قوات الأمن التركية عمليات مداهمة متزامنة في إطار تحقيقات وصفتها النيابة العامة بأنها تتعلق بقضايا “الإرهاب”.
وأسفرت تلك العمليات عن توقيف 225 شخصاً، شملت قائمة المعتقلين محامين وأكاديميين وصحفيين وناشطين وطلاباً وأعضاء في نقابات عمالية، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني، وفق ما أفادت به منظمات حقوقية ووسائل إعلام تركية.
وعند صدور بيان منظمة العفو الدولية، كانت المعلومات المتاحة تشير إلى وجود “أكثر من مئة شخص” رهن الحبس الاحتياطي، إلا أن العدد ارتفع لاحقاً إلى 178 معتقلاً بعد استكمال عرض دفعات جديدة من الموقوفين أمام القضاء.
كما قررت المحاكم فرض الإقامة الجبرية على 34 شخصاً، بينما أُفرج عن ستة آخرين بعد انتهاء إجراءات التحقيق الأولية، بحسب ما نقلته وسائل إعلام تركية ومنظمات حقوقية، من بينها هيومن رايتس ووتش.
انتقادات لقيود مفروضة على وسائل الإعلام
ولم تقتصر ملاحظات منظمة العفو الدولية على ملف الاعتقالات وحظر التظاهر، بل امتدت إلى القيود الإعلامية المصاحبة للقمة.
فقد انتقدت المنظمة قرار حلف الناتو رفض منح الاعتماد الإعلامي لعدد من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التركية لتغطية أعمال القمة، معتبرة أن هذا القرار يشكل انتكاسة لحرية الصحافة ويحد من قدرة وسائل الإعلام على أداء دورها الرقابي.
ودعت المنظمة قيادة الحلف إلى إعادة النظر في قرارها، وتمكين جميع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية المستبعدة من ممارسة حقها في تغطية الاجتماعات ونقل وقائعها للرأي العام.
سياق سياسي وأمني أوسع
تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الجدل داخل تركيا بشأن حدود التوازن بين المتطلبات الأمنية واحترام الحقوق والحريات العامة، ولا سيما خلال الفعاليات الدولية الكبرى التي تستضيفها البلاد.
وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت السلطات التركية لانتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان الدولية بسبب استخدام تدابير استثنائية، مثل حظر التجمعات والتوسع في الحبس الاحتياطي، في سياقات تتعلق بالاحتجاجات والأنشطة المدنية، بينما تؤكد الحكومة التركية أن هذه الإجراءات تستند إلى اعتبارات أمنية وتهدف إلى حماية النظام العام ومنع أي تهديدات محتملة، خاصة خلال المناسبات ذات الحساسية الأمنية المرتفعة.
ويُتوقع أن تظل هذه القضية محوراً للنقاش خلال قمة الناتو وما بعدها، في ظل تزايد الدعوات الدولية لاحترام الالتزامات المرتبطة بحرية التعبير والتجمع السلمي، بالتوازي مع ضمان أمن الوفود المشاركة في الاجتماعات.
خلاصة
تواجه السلطات التركية ضغوطاً حقوقية متزايدة بسبب حظر التظاهر والاعتقالات الواسعة التي سبقت انعقاد قمة الناتو في أنقرة، وسط مطالب بالإفراج عن المحتجزين واحترام الحريات الأساسية. وفي المقابل، تتمسك الحكومة بتبرير إجراءاتها باعتبارات الأمن القومي وتأمين القمة الدولية.

