في خضم المشهد الإعلامي والسياسي التركي المتشابك، برز اسم “تامار طنريار” بوصفها جزءاً من جدل متصاعد يتمحور حول علاقات النفوذ داخل دوائر الإعلام القريبة من السلطة، ولا سيما تلك المرتبطة ببرات ألبيراق، صهر الرئيس التركي، وشبكات إعلامية يُشار إليها في النقاش العام بوصفها جزءاً من منظومة تأثير واسعة داخل القطاع الإعلامي.
وتتمحور التصريحات المنسوبة إلى طنريار حول اتهامات تتعلق بطبيعة إدارة بعض المؤسسات الإعلامية المرتبطة بعائلة ألبيراق، مثل مؤسسة توركواز الإعلامية، ودورها المفترض في توجيه الخطاب الإعلامي وتشكيل مواقفه التحريرية، إلى جانب حديثها عن وجود تداخل بين الإعلام وبعض مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي داخل الدولة. كما توسعت في سردياتها لتشمل ما تصفه بتجاذبات داخلية بين مجموعات غير رسمية داخل بنية السلطة، تستخدم الإعلام كأداة ضمن صراعات أوسع على التأثير.
ورغم حدة هذه الطروحات، فإنها تبقى في إطار التصريحات الإعلامية غير المثبتة قضائياً، إذ لم يصدر أي قرار قضائي يدعم هذه الادعاءات أو يحولها إلى ملفات قانونية بحق برات ألبيراق أو الجهات التي تشير إليها. في المقابل، أثارت هذه التصريحات ردود فعل رسمية وإعلامية متباينة، وصلت في بعض الحالات إلى فتح تحقيقات بحق طنريار نفسها على خلفية اتهامات تتعلق بنشر معلومات مضللة أو الإساءة إلى مؤسسات عامة، ما أضاف بعداً قضائياً إلى جدل أساسه إعلامي وسياسي في المقام الأول. لكن المثير أن طنريار لم تخضع لتحقيق أمني على عكس الأعراف القضائية، بل ذهبت مباشرة إلى النيابة العامة للإدلاء بأقوالها، ليتم بعدها فورا إطلاق سراحها، مما اعتبره الرأي العام أنها تحظى بحماية من مراكز النفوذ داخل السلطة.
صراع الأجنحة لم يبق سرا في قصر أردوغان
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي التركي بولند كوروجو أن الأنظمة الديكتاتورية تبدأ في التآكل والانهيار الفعلي عندما تدب الانقسامات في أوصال الطبقة النخبوية المحيطة بمركز القرار، وهو ما يتجلى بوضوح في المشهد التركي الراهن؛ حيث لم تعد التصدعات داخل نظام الرئيس رجب طيب أردوغان قابلة للترميم أو المواراة خلف الشعارات التقليدية.
ويستشهد كوروجو، في مقاله بموقع (TR724)، بنظرية “سايكولوجية الدكتاتورية” لفتح علي مقدم، مشيراً إلى المفارقة التاريخية حين ظهرت أمينة أردوغان في جامعة جورج تاون عام 2013 وهي تحمل هذا الكتاب الذي يتحدث عن تفكك النخب كعلامة على قرب السقوط.
حروب الوكالة الإعلامية: تامار طنريار واستهداف مجموعة “تركواز“
يشخص بولند كوروجو التطورات الأخيرة، المتمثلة في الهجوم الحاد الذي شنته ” تامار طنريار” ضد “سرحات ألبيرق” (شقيق صهر الرئيس برات ألبيرق) ومجموعة “تركواز” الإعلامية، بوصفها “حرب وكالة” وليست مجرد خلافات شخصية أو نوبات غضب عابرة. ويؤكد كوروجو أن القضية الجوهرية لا تكمن في هوية المهاجِم، بل في الجهة التي تقف خلفه وتدفع بهذا الصراع إلى العلن.
وتتضمن اتهامات طنريار الموجهة للنخبة الإعلامية الموالية ما يلي:
- وجود علاقات مالية مريبة بين قيادات مجموعة “تركواز” ومجموعة “سوزجو” المعارضة، وصلت إلى حد الزعم بوجود شراكة سرية في صحيفة “تافر” (Tavır) الصادرة حديثاً.
- ادعاءات بوجود تحويلات مالية عبر العملات المشفرة، بالإضافة إلى تولي مجموعة “تركواز” لعمليات توزيع صحف معارضة.
- استخدام ملفات تحقيق قضائية سرية لتصفية حسابات، وهو ما دفع بعض القوى السياسية مثل أوزغور أوزيل لمحاولة تهميشها ووصفها بـ”المجنونة”، في حين يرى كوروجو أن التحركات مدروسة وليست ناتجة عن خلل عقلي.
لغز مجموعة “سوزجو” وظاهرة “حصان طروادة“
يلفت بولند كوروجو الانتباه إلى التناقض الصارخ في المشهد الإعلامي التركي؛ فبينما تعاني الصحافة الورقية من أزمة اقتصادية خانقة تدفع الصحف الموالية لتقليص نفقاتها والتحول الرقمي، نجد مجموعة “سوزجو” تتوسع بشكل مريب من خلال إطلاق صحيفة “كوركوسوز” ثم صحيفة “تافر”. ويتساءل كوروجو عن مصدر التمويل في ظل محاصرة البلديات التابعة للمعارضة وتجفيف منابع الإعلان، معتبراً أن إطلاق قناة “سوزجو تي في” قبل انتخابات 2023 الرئاسية بشهر ونصف فقط وبترخيص من النظام، يضع علامات استفهام كبرى حول دورها كـ “معارضة مرخصة” أو “حصان طروادة” لخدمة أطراف داخل السلطة.
ويضيف المحلل أن استدعاء “متين يلماز”، أحد أعمدة الصحافة الشعبية، لإدارة هذا المسار، يهدف لإعطاء زخم لمهمة محددة تخدم تكتلاً معيناً داخل “النواة الصلبة” للنظام في صراعه ضد تكتل آخر.
تصارع الورثة: الفراغ في القمة ومواجهات “النواة الصلبة“
ينتقل بولند كوروجو لتحليل الصراع السياسي العميق داخل العائلة الحاكمة، مشيراً إلى التنافس بين بلال أردوغان وبرات ألبيرق على دور “ولي العهد”. ويستدل على ذلك بتصريحات شامل طيار التي كشفت عن وجود “فراغ” ناتج عن عدم قدرة الرئيس على متابعة كل التفاصيل، مما أدى لظهور مجموعات سيطرة جديدة داخل البيروقراطية. إن اقتراح توظيف برات ألبيرق مجدداً في القصر الرئاسي يمثل، حسب رؤية كوروجو، اعترافاً بضعف الرئيس وبأن صراع “ما بعد أردوغان” قد بدأ فعلياً وهو لا يزال في السلطة.
انهيار الأساطير وتطورات المشهد الميداني
يحلل كوروجو تراجع أدوات الهيمنة لدى النظام من خلال ثلاثة محاور أساسية:
- انكسار احتكار المعلومات: فشلت محاولات تقييد وسائل التواصل الاجتماعي في منع تسرب أخبار الصراعات الداخلية، ولم تعد العمليات الإعلامية الموجهة تؤتي ثمارها.
- تآكل أسطورة “القوى الخارجية”: لم يعد خطاب التآمر الخارجي مقنعاً بعد أن أصبح بوتين وترامب حلفاء مقربين لأردوغان.
- الانهيار الاقتصادي: أصبحت معاناة الشعب تفوق قدرة أدوات “التنويم المغناطيسي” الإعلامي على السيطرة.
وفي آخر المستجدات المتعلقة بهذا الملف، يشير المحلل إلى صدور قرار اعتقال بحق تامار طنريار بعد هروبها إلى خارج البلاد إثر استهدافها لعائلة ألبيرق، مما يعكس حدة المواجهة الأمنية والقانونية التي أعقبت تلك التسريبات.
خلاصة
يؤكد بولند كوروجو أن لجوء أطراف الصراع داخل النخبة التركية لاستخدام شخصيات مثل تامار طنريار يشي بقرب وقوع “عاصفة” سياسية كبرى، حيث لم تعد القصص المنسوجة عن الأعداء الخارجيين قادرة على إخماد نيران الحرب المشتعلة داخل “النواة الصلبة” للنظام.

