يقدم حسين جليك، وزير التربية الأسبق وأحد أبرز مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، مراجعة نقدية عميقة وشاملة لمسيرة الحزب والدولة التركية، متتبعاً مفاصل التحول من الطموح الديمقراطي إلى “المركزية الفردية”.
ويرسم جليك خارطة طريق لفهم كيفية انزياح الحزب عن ثوابته التأسيسية، محللاً تداعيات النظام الرئاسي الحالي على بنية المؤسسات التركية، وذلك في حوار مع الصحفية آلين أوزينيان عبر صفحتها على يوتيوب.
جذور التأسيس: بين المبادئ الديمقراطية والتوظيف الديني
يشير جليك إلى أن انضمامه لتأسيس حزب العدالة والتنمية كان مشروطاً بالقطيعة مع إرث “ملي غوروش” (النظام الوطني) ذي التوجه الإسلامي تحت قيادة الراحل نجم الدين أربكان، حيث رفض أن يكون الحزب مجرد نسخة جديدة من الأحزاب التي تمارس السياسة عبر استغلال الدين أو الهوية العرقية. ويرى أن الفارق الجوهري يكمن بين “المتدين” الذي قد يضحي بدنياه من أجل دينه، وبين “المتاجر بالدين” الذي يضحي بالدين لتحقيق مكاسب سياسية أو بيروقراطية أو تجارية.
ويؤكد جليك أن الرؤية الأصلية كانت تهدف لبناء حزب يرتكز على “القيم الديمقراطية” وليس القيم الدينية كمظلة سياسية، معتبراً أن برنامج الحزب الذي ساهم في صياغته كان من أكثر البرامج تعددية وديمقراطية، وهدف إلى تحويل تركيا إلى “جمهورية ديمقراطية” حقيقية.
من “حركة الكوادر” إلى “سلطنة الفرد”: مسار التحول البنيوي
يحلل جليك بمرارة تحول الحزب من “حركة كوادر” تشاركية إلى “حزب القائد” الذي يتمحور حول إرادة شخص واحد. ويوضح أن البدايات كانت تشهد آليات استشارية حقيقية، حيث كان الوزراء والقيادات يعارضون القرارات (كما حدث في معارضته الشخصية لمذكرة 1 آذار 2003 حيث رفض فيها السماح لواشنطن باستخدام الأراضي التركية لضرب العراق) دون خوف من الإقصاء.
بيد أن هذا المشهد تغير جذرياً؛ إذ يرى جليك أن السلطة أدت إلى “تسمم القوة”، مما دفع الحزب للتخلص من أصحاب الكفاءات والعقول المستقلة واستبدالهم بمن يظهرون “الولاء المطلق والبيعة”. ويشبه هذا المسار بما حدث في “جمعية الاتحاد والترقي” في أواخر العهد العثماني وحتى في فترات الرئيس الأسبق “طرغوت أوزال” و”مصطفى كمال أتاتورك”، حيث يتم إقصاء شركاء الدرب بمجرد استتباب الأمر للقائد.
تآكل المؤسسات وغياب الموازين: نقد النظام الرئاسي
يعتبر جليك أن الانتقال إلى “نظام الحكم الرئاسي” (النسخة التركية من النظام الرئاسي) كان نقطة اللاعودة نحو الأوتوقراطية والشمولية، على حد تعبيره. وينتقد بشدة تغول السلطة التنفيذية التي همشت البرلمان والقضاء، مشيراً إلى أن البرلمان التركي الحالي لا يختلف كثيراً عن “الدوما” الروسي في فقدانه للتأثير الحقيقي.
ويذهب جليك إلى أبعد من ذلك بوصفه سلطات أردوغان الحالية بأنها تفوق صلاحيات السلاطين العثمانيين، بما في ذلك “سليمان القانوني”، مؤكداً أن الدولة فقدت “آليات الرقابة والتوازن” التي كانت تضمن استقلال المؤسسات مثل هيئة الإحصاء التركية (TÜİK) وغيرها من الهيئات المستقلة التي تحولت إلى أدوات بيد الحكومة.
العدالة والضمير: مأزق الحقوق والحريات في تركيا المعاصرة
ينتقد جليك بشدة التضحية بالحريات تحت ذريعة “الأمن”. ويسلط الضوء على ملفات شائكة تشمل استقلال القضاء، حيث يشير إلى عدم التزام المحاكم بقرارات المحكمة الدستورية أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، معتبراً أن “العدل هو دين الدولة”، وغيابه يعني فقدان الدولة لشرعيتها الأخلاقية. كذلك ملف المظلومية الاجتماعية، إذ يدافع جليك عن حقوق المتضررين من “المراسيم التشريعية” (KHK) والذين عوقبوا دون محاكمات عادلة ممن على صلة بحركة الخدمة، مؤكداً على ضرورة الدفاع عن حقوق الآخرين (مثل العلويين، والأكراد، وغير المسلمين) انطلاقاً من “حلف الفضول” النبوي. يذكر جليك أيضا الحقوق الثقافية والدينية ويجدد موقفه الداعي لفتح “مدرسة هالكي للرهبان”، معتبراً أن الدفاع عن حقوق الأرثوذكس لا يتطلب أن يكون الشخص أرثوذكسياً، بل هو واجب إنساني وإسلامي.
أفق المستقبل: الحزب ما بعد أردوغان ومعضلة المعارضة
يتوقع جليك أن حزب العدالة والتنمية لن يتمكن من الاستمرار بعد رحيل أردوغان، نظراً لارتباط كينونة الحزب بشخص القائد وكاريزمته، تماماً كما تلاشت أحزاب “ديميريل” و”أوزال” من بعدهما. وفي سياق تحليله للواقع الحالي، يشير إلى أن فوز المعارضة في انتخابات 31 آذار المحلية أثبت أن التغيير ممكن عبر الديمقراطية، رغم حالة التشتت التي تعاني منها المعارضة نفسها.
وينبه جليك إلى أن لجوء السلطة لخطاب “القوى الخارجية” أو “لوبي الفائدة” هو “آلية دفاع للأغبياء” للتنصل من المسؤولية عن الأخطاء الاقتصادية والسياسية. ويختم بأن الحل يكمن في “تقوية البنية الداخلية” لتركيا عبر إرضاء المواطنين من كافة الفئات، بدلاً من سياسة الاستقطاب و”العداء للآخر”.
خلاصة
يرى حسين جليك أن تركيا انزلقت من مسار التحول الديمقراطي إلى نظام حكم فردي أدى لتآكل المؤسسات، مؤكداً أن استعادة الدولة تتطلب العودة لسيادة القانون والعدالة الشاملة بعيداً عن سياسة “تسمم السلطة”.

