واصلت السلطات التركية حملاتها الأمنية المرتبطة بملاحقة الأشخاص المتهمين بالانتماء إلى حركة الخدمة، إذ نفذت خلال الأيام الماضية ثلاث عمليات أمنية منفصلة أسفرت عن توقيف 23 شخصاً في ولايتي كوجالي وأدرنة، بينهم موظفون حكوميون سبق فصلهم من وظائفهم بموجب مراسيم الطوارئ، إضافة إلى أشخاص يواجهون أحكاماً أو محاكمات تتعلق بالانتماء إلى الحركة.
وتأتي هذه العمليات في وقت لا تزال فيه السلطات التركية تواصل الإجراءات القضائية والأمنية بحق الآلاف ممن تتهمهم بالارتباط بالحركة، رغم مرور ما يقرب من عقد على محاولة الانقلاب الغامضة في تموز/يوليو 2016، التي تحمل الحكومة مسؤوليتها للراحل فتح الله كولن، وهو اتهام تنفيه الحركة باستمرار، مؤكدة أنها لا علاقة لها بالمحاولة الانقلابية أو بأي نشاط إرهابي، وداعية إلى تحقيق دولي للكشف عن ملابسات الأحداث.
عملية كوجالي.. مداهمات واسعة واستهداف مؤسسات تعليمية
شهدت ولاية كوجالي أكبر العمليات الأمنية، حيث نفذت فرق الشرطة في الثالث والعشرين من حزيران/يونيو سلسلة مداهمات متزامنة استهدفت منازل ومؤسسات تعليمية في إطار تحقيق يتعلق باتهامات بالارتباط بحركة الخدمة.
وأسفرت العملية عن توقيف 15 شخصاً في مناطق إزميت وغولجوك وباشيسكيلي، وسط اتهامات بأنهم واصلوا أنشطة مرتبطة بالحركة.
ووفقاً للمعلومات التي نشرتها منصة TR724، ركز التحقيق على أشخاص يعملون أو يرتبطون بمؤسسات تعليمية، واتهمتهم النيابة العامة بالمشاركة في أنشطة وصفت بأنها داعمة للحركة، من بينها تقديم مساعدات إنسانية لأشخاص يشتبه بانتمائهم إليها، إضافة إلى حيازة مؤلفات لفتح الله كولن.
وامتدت الحملة إلى عشر مؤسسات تعليمية، حيث نفذت قوات الأمن عمليات تفتيش موسعة صادرت خلالها أجهزة ومواد رقمية، ومبالغ مالية، ووثائق إدارية تخص تلك المؤسسات، إلى جانب منشورات وكتب دينية اعتبرتها جزءاً من ملف التحقيق.
قرارات قضائية متفاوتة بحق الموقوفين
وبعد استكمال التحقيقات الأولية، قررت المحكمة حبس تسعة من الموقوفين احتياطياً على ذمة المحاكمة، بينما أفرجت عن ستة آخرين مع إخضاعهم لإجراءات الرقابة القضائية، في خطوة تعكس استمرار اعتماد القضاء التركي الحبس الاحتياطي في قضايا تتعلق بالانتماء إلى حركة الخدمة.
أدرنة.. توقيف مطلوبين خلال تنقلهم على أحد الطرق الرئيسية
في عملية منفصلة، أعلنت السلطات التركية توقيف ستة أشخاص على الطريق الرابط بين كشان وإيبسالا في ولاية أدرنة شمال غربي البلاد.
وبحسب ما نقلته هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية الرسمية TRT Haber، أوقفت الشرطة مركبة يقودها شخص أشير إليه بالأحرف الأولى “إ.د.”، قبل أن تكشف عملية التدقيق في هويات الركاب أن بينهم ثلاثة أشخاص لا تزال ملفاتهم المتعلقة بالانتماء إلى حركة الخدمة منظورة أمام محكمة الاستئناف.
كما ضمت المجموعة رقيباً سابقاً في قوات الدرك سبق فصله من الخدمة، إلى جانب موظفين حكوميين مفصولين، كانوا جميعاً مطلوبين في إطار قضايا مماثلة تتعلق بالانتماء إلى الحركة.
إحباط محاولة عبور إلى اليونان
وفي القضية الثالثة، أعلنت السلطات التركية القبض على شخصين في منطقة أوزون كوبرو التابعة لولاية أدرنة، بالقرب من قرية جيميجي الحدودية، أثناء محاولتهما، بحسب الرواية الرسمية، اجتياز الحدود إلى الأراضي اليونانية بصورة غير نظامية.
وأوضحت السلطات أن الشخصين صدرت بحقهما سابقاً أحكام بالسجن تتجاوز ست سنوات لكل منهما بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة، مشيرة إلى أنهما أُودعا السجن بعد استكمال الإجراءات القانونية.
وتشهد المناطق الحدودية مع اليونان بصورة متكررة عمليات توقيف لأشخاص تحاول السلطات منعهم من مغادرة البلاد، في ظل استمرار محاولات عدد من المطلوبين أو المحكومين في قضايا مرتبطة بالحركة مغادرة تركيا.
خلفية الأزمة.. من تحقيقات الفساد إلى حملة أمنية واسعة
ترجع جذور الصراع بين الحكومة التركية وحركة الخدمة إلى كانون الأول/ديسمبر 2013، عندما طالت تحقيقات فساد مسؤولين بارزين في الحكومة، بينهم مقربون من الرئيس رجب طيب أردوغان وأفراد من دائرته السياسية والعائلية.
واعتبر أردوغان آنذاك أن تلك التحقيقات تمثل “مؤامرة” تقف وراءها الحركة، قبل أن تصنفها السلطات التركية في أيار/مايو 2016 منظمة إرهابية قبيل محاولة الانقلاب المثيرة للجدل.
وبعد محاولة الانقلاب في الخامس عشر من تموز/يوليو من العام نفسه، وسعت الحكومة نطاق حملاتها بصورة غير مسبوقة، متهمة الحركة بالوقوف وراء المحاولة، بينما تواصل الحركة نفي هذه الاتهامات بشكل قاطع.
حالة الطوارئ ومراسيم الفصل الجماعي
عقب محاولة الانقلاب، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ التي استمرت حتى التاسع عشر من تموز/يوليو 2018، وخلال تلك الفترة أصدرت عشرات المراسيم التنفيذية المعروفة باسم مراسيم الطوارئ (KHK)، التي منحت السلطات صلاحيات واسعة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
وبموجب هذه المراسيم، جرى فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي من وظائفهم بصورة مباشرة، من بينهم 4156 قاضياً ومدعياً عاماً، إضافة إلى أكثر من 24 ألف عسكري، وذلك استناداً إلى الاشتباه بانتمائهم إلى الحركة أو بوجود صلات معها، دون المرور بإجراءات قضائية أو رقابة برلمانية مسبقة.
وأثارت تلك الإجراءات منذ ذلك الحين انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان، التي اعتبرت أن الفصل الجماعي والمحاكمات الواسعة افتقرت إلى الضمانات القانونية الكافية، بينما تؤكد الحكومة التركية أن هذه التدابير كانت ضرورية لحماية مؤسسات الدولة عقب محاولة الانقلاب.
أرقام رسمية تعكس استمرار الملاحقات
تشير أحدث بيانات وزارة العدل التركية إلى أن الحملات القضائية المرتبطة بحركة الخدمة لا تزال مستمرة حتى اليوم، رغم مرور سنوات على انتهاء حالة الطوارئ.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، صدرت أحكام إدانة بحق أكثر من 126 ألف شخص بتهم تتعلق بالارتباط بالحركة منذ عام 2016، فيما لا يزال 11085 شخصاً يقضون عقوباتهم داخل السجون.
كما تستمر المحاكمات بحق أكثر من 24 ألف متهم، في حين يخضع ما يزيد على 58 ألف شخص لتحقيقات جنائية مفتوحة، بما يعكس استمرار الملف القضائي على نطاق واسع بعد نحو عقد من بدء حملة الملاحقات.
تداعيات مستمرة داخل تركيا وخارجها
إلى جانب عشرات الآلاف الذين تعرضوا للاعتقال أو السجن، اضطر عدد كبير من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بالارتباط بحركة الخدمة إلى مغادرة تركيا خلال السنوات الماضية، خشية التعرض للملاحقة القضائية أو التوقيف، ليستقر كثير منهم في دول أوروبية ودول أخرى، حيث تستمر الخلافات القانونية والسياسية بين أنقرة وعدد من الحكومات الغربية بشأن ملفات اللجوء وتسليم المطلوبين.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة التركية باستمرار أن ملاحقة المنتمين إلى الحركة تمثل جزءاً من جهودها في مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي، بينما تعتبر منظمات حقوقية دولية أن استمرار التحقيقات والاعتقالات الجماعية يثير تساؤلات بشأن معايير المحاكمات العادلة وضمانات حقوق الإنسان، خاصة مع اتساع نطاق الاتهامات لتشمل موظفين سابقين وأكاديميين ومعلمين ورجال أعمال.
دلالات
تعكس العمليات الأمنية الأخيرة أن ملف حركة الخدمة لا يزال يحتل موقعاً محورياً في السياسة الأمنية التركية، رغم مرور سنوات على انتهاء حالة الطوارئ. وتظهر الأرقام الرسمية أن السلطات لم تتجه نحو إغلاق هذا الملف، بل تواصل توسيع التحقيقات والملاحقات القضائية، في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن الإجراءات تستهدف من تعتبرهم مرتبطين بتنظيم إرهابي، بينما ترى منظمات حقوقية أن استمرار هذه السياسات يرسخ حالة من الملاحقة الممتدة التي تشمل شرائح واسعة من المجتمع، وتؤثر على ملفات الحريات العامة وسيادة القانون، وهي قضايا لا تزال حاضرة بقوة في تقارير المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

