في وقت يشهد فيه المشهد الأمني الأوروبي تحولات غير مسبوقة بفعل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد المخاوف من احتمال تراجع الانخراط العسكري الأمريكي في القارة، كثفت تركيا مساعيها للحصول على دور أكبر داخل البنية الدفاعية الأوروبية، حيث دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إشراك بلاده بصورة كاملة في جميع المبادرات الأوروبية المتعلقة بالأمن والدفاع، معتبراً أن مساهمة أنقرة في حماية أمن القارة لا تزال أقل تقديراً مما تستحق.
وجاءت تصريحات أردوغان خلال مخاطبته وفوداً برلمانية تمثل الدول الاثنتين والثلاثين الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي اجتمعت في مدينة إسطنبول قبل أيام من انعقاد القمة المرتقبة للحلف، المقررة يومي السابع والثامن من تموز/يوليو المقبل، في ظل نقاشات متسارعة داخل أوروبا حول إعادة بناء القدرات العسكرية وتعزيز الاكتفاء الدفاعي.
صندوق “SAFE”.. بوابة تركيا نحو الصناعة الدفاعية الأوروبية
تركز التحركات التركية بصورة خاصة على الانضمام إلى مبادرة العمل الأمني من أجل أوروبا (SAFE) التي أطلقها الاتحاد الأوروبي، والبالغة قيمتها 150 مليار يورو (نحو 176 مليار دولار)، والتي تهدف إلى تمويل مشاريع التسليح المشترك، وتوسيع القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، وتعزيز الإنتاج العسكري داخل القارة.
وتنظر أنقرة إلى هذه المبادرة باعتبارها فرصة استراتيجية لتعزيز اندماج صناعاتها الدفاعية المتطورة في السوق الأوروبية، خاصة في ظل امتلاكها قاعدة صناعية عسكرية شهدت نمواً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بزيادة الصادرات الدفاعية وإبرام اتفاقيات تعاون عسكري مع عدد متزايد من الدول.
ورغم أن القواعد التنظيمية للمبادرة لا تستبعد تركيا من حيث المبدأ، فإن انضمامها يتطلب موافقة جماعية من جميع الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يواجه عقبة سياسية تتمثل في إعلان اليونان نيتها استخدام حق الاعتراض لمنع مشاركة أنقرة في المبادرة.
وفي هذا السياق، دعا أردوغان البرلمانيين المشاركين في الاجتماع إلى دعم انضمام تركيا إلى المبادرات الدفاعية والأمنية الأوروبية، مؤكداً أن أمن القارة لا يمكن بناؤه بصورة فعالة دون مشاركة تركيا.
رسالة إلى الناتو: إزالة القيود المفروضة على تجارة الصناعات الدفاعية
ولم تقتصر مطالب الرئيس التركي على العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، بل وجه أيضاً رسالة مباشرة إلى حلف شمال الأطلسي، دعا فيها إلى إزالة جميع القيود التي تعرقل تجارة الصناعات الدفاعية بين الدول الأعضاء.
وأكد أن مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة تتطلب تعزيز التعاون الصناعي والعسكري داخل الحلف، إلى جانب اعتماد آلية أكثر توازناً وعدالة في توزيع الأعباء والمسؤوليات بين الحلفاء.
وتنسجم هذه الدعوة مع موقف تركي متكرر ينتقد فرض قيود أو حظر على تصدير المعدات الدفاعية بين دول الناتو، وهو ما تعتبره أنقرة يتعارض مع مبدأ التضامن داخل الحلف.
الجيش الثاني في الناتو وصناعة عسكرية تتوسع رغم العقوبات
تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش داخل حلف الناتو بعد الولايات المتحدة من حيث عدد القوات، كما تحولت خلال العقد الأخير إلى أحد أبرز المنتجين الإقليميين في الصناعات الدفاعية، مع توسع كبير في إنتاج الطائرات المسيّرة والمدرعات والأنظمة الصاروخية والسفن الحربية.
وقد ساهمت الصفقات العسكرية الثنائية مع العديد من الدول في تعزيز مكانة الصناعات الدفاعية التركية وزيادة صادراتها، الأمر الذي جعل هذا القطاع أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية والاقتصاد التركي.
إلا أن هذا التوسع لا يزال يصطدم بقيود فرضتها الولايات المتحدة منذ عدة سنوات.
صفقة “إس-400” لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات مع واشنطن
تعود جذور الأزمة الحالية إلى قرار أنقرة شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على قطاع الصناعات الدفاعية التركية بموجب قانون CAATSA الخاص بمواجهة خصوم الولايات المتحدة من خلال العقوبات.
كما أخرجت واشنطن تركيا من برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات إف-35، الأمر الذي تسبب في واحدة من أكبر الأزمات بين البلدين داخل حلف الناتو.
ورغم أن الإدارة الأمريكية أبدت خلال الفترة الأخيرة رغبة في تجاوز هذا الملف وإعادة تحسين العلاقات الدفاعية مع أنقرة، فإن رفع عقوبات “كاتسا” لا يزال يحتاج إلى موافقة الكونغرس الأمريكي، وهو ما يجعل إمكانية إنهاء هذا الملف قبل انعقاد قمة الناتو المقبلة أمراً مستبعداً، وفق تقديرات عدد من المراقبين.
ترامب يلمح إلى “هدية” لأنقرة خلال قمة الناتو
في تطور لافت، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيقدم للرئيس أردوغان ما وصفه بأنه “شيء سيسعده كثيراً”، وذلك خلال زيارته المرتقبة إلى تركيا للمشاركة في اجتماعات قادة حلف الناتو إلى جانب عدد كبير من زعماء العالم.
ورغم عدم كشف ترامب عن طبيعة هذه الخطوة، فإن محللين يرجحون أن تكون مرتبطة بملف الصناعات الدفاعية، وبشكل خاص الموافقة على تسليم تركيا عشرات محركات F110 الأمريكية التي تحتاجها أنقرة لتطوير وإنتاج مقاتلتها الوطنية من الجيل الخامس KAAN.
ويُعد هذا المشروع أحد أكثر برامج الصناعات الدفاعية التركية طموحاً، إلا أن تقدمه تأثر بصورة مباشرة بالعقوبات الأمريكية التي عطلت وصول بعض المكونات والتقنيات الأساسية اللازمة لاستكمال البرنامج.
تحولات أوروبية تمنح تركيا فرصة جديدة
تأتي المطالب التركية في مرحلة تشهد إعادة رسم شاملة للسياسات الدفاعية الأوروبية، حيث دفعت الحرب في أوكرانيا الحكومات الأوروبية إلى زيادة موازنات الدفاع، وتسريع برامج التسلح، وتقليل الاعتماد على القدرات الأمريكية، وسط تنامي المخاوف من احتمال تقليص واشنطن التزاماتها الأمنية تجاه القارة في المستقبل.
وفي هذا السياق، تحاول أنقرة استثمار موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية والصناعية لإعادة تقديم نفسها باعتبارها شريكاً لا غنى عنه في أي منظومة أمنية أوروبية جديدة، خاصة أنها تمتلك حدوداً مباشرة مع مناطق النزاع في البحر الأسود والشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط، إضافة إلى خبرتها العملياتية الواسعة داخل حلف الناتو.
دلالات
تعكس تصريحات أردوغان تحولاً في الاستراتيجية التركية من الاكتفاء بالمطالبة بدور داخل حلف الناتو إلى السعي للحصول على موقع مؤثر في البنية الدفاعية الأوروبية التي يجري بناؤها بالتوازي مع الحلف. كما تكشف عن محاولة تركية لاستثمار التغيرات الجيوسياسية التي فرضتها الحرب في أوكرانيا من أجل تجاوز سنوات من العزلة النسبية التي فرضتها الخلافات مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وفي المقابل، لا تزال العقبات السياسية قائمة، سواء بسبب الاعتراضات اليونانية داخل الاتحاد الأوروبي، أو استمرار العقوبات الأمريكية المرتبطة بمنظومة “إس-400″، وهو ما يجعل نجاح أنقرة في تحقيق أهدافها مرهوناً بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين شراكاتها داخل الناتو وعلاقاتها الإقليمية والدولية. ومع اقتراب قمة الحلف، يظل ملف التعاون الدفاعي بين تركيا والغرب أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في مستقبل العلاقة بين الجانبين.

