كشف تقرير اقتصادي جديد أصدره مركز الأبحاث التابع لاتحاد نقابات العمال التقدميين في تركيا (DİSK-AR) أن الأزمة المعيشية التي تواجه الطبقة العاملة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، مع استمرار تآكل قيمة الحد الأدنى للأجور بفعل التضخم، وارتفاع العبء الضريبي على العاملين، وتراجع القوة الشرائية للمتقاعدين، الأمر الذي دفع أعداداً متزايدة منهم إلى العودة إلى سوق العمل.
وحمل التقرير، الذي صدر تحت عنوان “أزمة كلفة المعيشة لدى الطبقة العاملة: الحد الأدنى للأجور والضرائب والتقاعد“، قراءة شاملة للتحولات التي شهدها سوق العمل التركي، مؤكداً أن الاقتصاد بات يعتمد بصورة متزايدة على العمالة ذات الأجور المنخفضة، في ظل محدودية اتفاقيات المفاوضة الجماعية واستمرار انتشار الأجور القريبة من الحد الأدنى في مختلف القطاعات.
الحد الأدنى للأجور يتراجع أمام التضخم منذ الأيام الأولى لإقراره
يشير التقرير إلى أن الحد الأدنى الصافي للأجور لعام 2026، الذي حددته الحكومة التركية عند 28 ألفاً و75 ليرة تركية (نحو 602 دولار) في نهاية كانون الأول/ديسمبر، فقد جزءاً كبيراً من قيمته الشرائية بعد فترة وجيزة من دخوله حيز التنفيذ.
فبعد أسبوع واحد فقط من إعلان الأجر الجديد، تجاوزه ما يعرف بـ”خط الجوع”، وهو المؤشر الذي تعتمده النقابات العمالية لقياس الحد الأدنى اللازم لتأمين غذاء صحي ومتوازن لأسرة مكونة من أربعة أفراد.
ومع حلول الشهر الخامس من العام، لم يعد الحد الأدنى للأجور يغطي سوى نحو ربع خط الفقر، وهو المؤشر الذي يشمل، إلى جانب الغذاء، تكاليف السكن والطاقة والملابس والنقل والتعليم والرعاية الصحية وسائر الاحتياجات الأساسية.
ويرى التقرير أن هذا التراجع السريع يعكس الفجوة المتزايدة بين مستويات الأجور والارتفاع المستمر في الأسعار، رغم الإجراءات النقدية التي تتبعها الحكومة والبنك المركزي للحد من التضخم.
تركيا تتحول إلى اقتصاد قائم على الحد الأدنى للأجور
يخلص التقرير إلى أن سوق العمل التركي يشهد تحولاً هيكلياً يتمثل في اتساع قاعدة العاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور أو أجوراً قريبة منه.
ووفقاً للبيانات الواردة، فإن نحو 35% من العاملين يحصلون على الحد الأدنى للأجور أو يزيد دخلهم عليه بنسبة لا تتجاوز 5% فقط، وهي نسبة يصفها التقرير بأنها الأعلى بين الدول الأوروبية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يشير التقرير إلى أن 15% من العاملين يتقاضون أجوراً تقل حتى عن الحد الأدنى القانوني، بما يعكس اتساع الاقتصاد غير المنظم وضعف الرقابة على تطبيق قوانين العمل.
ويعتبر التقرير أن هذه المؤشرات تكشف عن انتشار ظاهرة انخفاض الأجور في معظم قطاعات الاقتصاد التركي، وليس فقط بين العاملين في الوظائف منخفضة المهارة.
ثمار النمو الاقتصادي لا تصل إلى العمال
يقارن التقرير بين تطور الحد الأدنى للأجور ومتوسط الدخل القومي للفرد، ليخلص إلى أن نصيب العاملين من النمو الاقتصادي تراجع بصورة كبيرة خلال العقود الماضية.
ففي عام 1974 كان الحد الأدنى للأجور يعادل 80.6% من متوسط الدخل القومي للفرد، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 45.7% في عام 2026.
ويرى معدو التقرير أن هذا التراجع يعكس اختلالاً في توزيع ثمار النمو الاقتصادي، إذ لم تنعكس الزيادات التي شهدها الاقتصاد التركي على مستويات دخل العمال بنفس الوتيرة، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة الدخل.
ضعف المفاوضة الجماعية يرسخ انخفاض الأجور
يلفت التقرير إلى أن أحد أهم أسباب انتشار الأجور المنخفضة يتمثل في محدودية اتفاقيات العمل الجماعية.
فلا يستفيد من هذه الاتفاقيات سوى نحو 10% من العاملين في تركيا، مقارنة بأكثر من 60% في العديد من الدول الأوروبية.
وتؤكد البيانات أن العاملين المشمولين باتفاقيات العمل الجماعية يتقاضون في المتوسط أجوراً شهرية إجمالية تزيد بنسبة 91.9% عن أجور العاملين غير المشمولين بهذه الاتفاقيات، ما يعكس الدور الكبير للمفاوضة الجماعية في تحسين مستويات الأجور والامتيازات الوظيفية.
كما يشير التقرير إلى أن تركيا لم تعد تتفوق إلا على ثلاث دول أوروبية فقط من حيث انخفاض الحد الأدنى للأجور خلال عام 2026.
التضخم المرتفع يواصل الضغط على مستويات المعيشة
تأتي نتائج التقرير في ظل استمرار الضغوط التضخمية التي تشهدها البلاد.
فوفقاً للبيانات الرسمية، بلغ معدل التضخم السنوي في شهر أيار/مايو 32.61%، بينما ارتفعت الأسعار بنسبة 16.61% منذ بداية العام، ووصل متوسط الزيادة خلال الاثني عشر شهراً الماضية إلى 32.24%.
وفي المقابل، أبقى البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي عند 37% خلال اجتماعه في حزيران/يونيو، مبرراً قراره باستمرار المخاطر التضخمية والحاجة إلى الحفاظ على السياسة النقدية المتشددة.
ويرى اقتصاديون أن استمرار معدلات التضخم المرتفعة يحد من فعالية أي زيادات في الأجور، إذ تتآكل قيمتها الحقيقية خلال فترة قصيرة.
العبء الضريبي ينتقل بصورة متزايدة إلى العمال
يتناول التقرير أيضاً هيكل النظام الضريبي التركي، معتبراً أنه يسهم في تعميق التفاوت في توزيع الدخل.
وبحسب التقرير، ترتفع نسبة الاقتطاعات الإلزامية من الأجور، التي تشمل ضريبة الدخل واشتراكات الضمان الاجتماعي، تدريجياً خلال العام، حيث تبدأ عند 21.6% من الأجر الإجمالي، ثم ترتفع إلى 29.7%، ما يعني أن أكثر من ربع دخل العامل الإجمالي يقتطع قبل وصول الراتب الصافي إليه.
ويرى التقرير أن أحد الأسباب الرئيسية لذلك يتمثل في عدم تحديث شرائح ضريبة الدخل بما يتناسب مع ارتفاع الأجور والتضخم.
ففي حين تبدأ الشريحة الضريبية الأولى حالياً عند 190 ألف ليرة تركية، يؤكد التقرير أنه لو جرى تعديلها بما يتناسب مع تطور الحد الأدنى للأجور منذ عام 2000، لكانت تجاوزت اليوم 658 ألف ليرة.
الضرائب غير المباشرة تزيد الضغط على أصحاب الدخل المحدود
يشير التقرير إلى أن السياسة الضريبية التركية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الضرائب غير المباشرة المفروضة على الاستهلاك، وهي ضرائب تؤثر بشكل أكبر على الأسر منخفضة الدخل.
وخلال العقود الستة والثلاثين الماضية، ارتفعت مساهمة هذه الضرائب في إجمالي الإيرادات الضريبية من 48% إلى 64%.
في المقابل، تراجعت مساهمة الضرائب المفروضة على الممتلكات من 3.7% إلى 1.1% خلال الأحد عشر عاماً الأخيرة.
كما تظهر البيانات أن العمال باتوا يساهمون في الإيرادات الضريبية بنسبة 19.6%، مقابل 13.1% فقط تأتي من رأس المال، وهو ما يعتبره التقرير دليلاً على انتقال العبء الضريبي تدريجياً من أصحاب الثروات إلى أصحاب الأجور.
ويأتي ذلك بعد أشهر من إقرار البرلمان التركي حزمة ضريبية جديدة تضمنت عفواً لإعادة الأصول المالية من الخارج، إضافة إلى منح إعفاء ضريبياً على الدخل الأجنبي لمدة عشرين عاماً لبعض من ينقلون إقامتهم الضريبية إلى تركيا، وهي إجراءات أثارت انتقادات باعتبارها تمنح مزايا ضريبية لرؤوس الأموال في وقت تتزايد فيه الأعباء على العاملين.
المعاشات التقاعدية لم تعد توفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي
يفرد التقرير مساحة واسعة لتقييم أوضاع المتقاعدين، مؤكداً أن نظام التقاعد شهد بدوره تراجعاً ملموساً في مستويات الدخل.
فبعد أن كان متوسط المعاش التقاعدي يعادل 122% من الحد الأدنى للأجور عام 2002، انخفض إلى 84% فقط في عام 2025، أي أنه أصبح يقل عن الحد الأدنى للأجور بنسبة 16%.
كما تراجعت حصة المتقاعدين من الدخل القومي، حيث انخفض متوسط المعاش من 46.4% من نصيب الفرد من الدخل القومي إلى 31.6% خلال الفترة نفسها.
ورغم أن إيرادات مؤسسة الضمان الاجتماعي التركية من الاشتراكات ارتفعت بمقدار 273 ضعفاً منذ عام 2002، فإن الإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية لم يرتفع سوى 211 ضعفاً، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً على أن الزيادة في الإيرادات لم تنعكس بصورة متناسبة على دخول المتقاعدين.
العودة إلى العمل بعد التقاعد أصبحت ضرورة معيشية
أدى انخفاض قيمة المعاشات إلى ارتفاع غير مسبوق في نسبة المتقاعدين الذين يواصلون العمل أو يبحثون عن وظائف جديدة.
فقد ارتفعت هذه النسبة من 36.6% عام 2002 إلى 69.5% في عام 2025، أي أن ما يقارب اثنين من كل ثلاثة متقاعدين أصبحوا يعملون أو يسعون للحصول على عمل لتغطية احتياجاتهم الأساسية.
وتتوافق هذه النتائج مع دراسة أصدرها منتدى البحوث الاجتماعية في أيار/مايو، بالتعاون مع مؤسسة فيريتا أناليتيك وبدعم من مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، والتي أظهرت أن 89.4% من المتقاعدين الذين شملهم الاستطلاع واصلوا العمل بسبب الضرورات المالية، فيما أكد 88.7% أنهم لا يستطيعون التوقف عن العمل لأن معاشاتهم لا تكفي لتغطية نفقات المعيشة.
كما توصلت دراسة منفصلة أصدرها مركز KAMU-AR إلى أن الحد الأدنى للمعاش التقاعدي لم يعد يغطي سوى نفقات الغذاء لأسرة مكونة من أربعة أفراد لمدة 16 يوماً فقط، بينما يكفي الحد الأدنى للأجور لتغطية الغذاء لنحو 22 يوماً.
دلالات
تعكس المؤشرات الواردة في تقرير DİSK-AR تحولاً هيكلياً في الاقتصاد التركي، يتمثل في اتساع فجوة الدخل بين العمال ورأس المال، وتراجع فعالية الأجور والمعاشات في مواجهة التضخم، بالتزامن مع ازدياد الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفئات محدودة الدخل. كما تكشف البيانات عن استمرار تآكل الطبقة الوسطى واتساع رقعة العاملين ذوي الأجور المنخفضة، في وقت لا تزال فيه سياسات التشديد النقدي تركز على مكافحة التضخم دون أن تنجح حتى الآن في استعادة القوة الشرائية للأسر.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن سياساتها الاقتصادية تستهدف تحقيق استقرار الأسعار واستعادة التوازنات المالية، بينما يرى خبراء اقتصاديون ونقابات عمالية أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات أوسع تشمل هيكل الأجور، والنظام الضريبي، وآليات المفاوضة الجماعية، وسياسات الحماية الاجتماعية، لضمان توزيع أكثر عدالة لثمار النمو الاقتصادي.

