تتكشف وراء الستار الإعلامي في تركيا خيوط مؤامرة معقدة، تتجاوز في تفاصيلها حدود الخيال الدرامي، حيث امتزجت صراعات النفوذ السياسي بحروب السيطرة على قطاع الدفاع السيادي. ما رُوّج له كخطة اغتيال تستهدف شاهداً ملكاً في قضايا فساد كبرى، تبيّن لاحقاً أنه غطاء لعملية إعادة هيكلة قسرية لموازين القوى المالية والعسكرية داخل أروقة السلطة في أنقرة.
مسرحية الاغتيال: الشاهد والذريعة
بدأت فصول الأزمة بادعاءات حول خطة لتصفية عزيز إحسان أكتاش، الشاهد المحوري في التحقيقات المتعلقة ببلدية إسطنبول الكبرى ورئيسها أكرم إمام أوغلو. ووفقاً للرواية الرسمية التي تصدرت عناوين الصحف الموالية، فإن أوامر صدرت من فاتح كيليش عبر محاميه للتعاقد مع شبكة إجرامية يقودها زعيم المافيا صلاح الدين يلماز لتنفيذ عملية الاغتيال. لكن النيابة العامة في إسطنبول أغلقت الأسبوع الماضي هذا الملف، بعد أن خلصت إلى عدم وجود أدلة كافية تبرر إحالة القضية إلى القضاء. والمثير أن هذه الرواية لم تكن سوى “حصان طروادة” قانوني سمح للأجهزة الأمنية بشن حملة اعتقالات واسعة استهدفت خليطاً غير متجانس من الشخصيات، شملت زعماء مافيا، ورجال أعمال، وأقطاباً في صناعة الدفاع، وحتى شخصيات اجتماعية مثل مراد أوزدمير زوج الفنانة الشهيرة إبرو غوندش.
خارطة الاستهداف: تصفية حلفاء “هاكان فيدان”
وفق التحليل الذي قدمه المحلل السياسي التركي المعروف جوهري جوفين، الذي يتابعه على يوتيوب حوالي مليون شخص، رغم حظر الوصول إلى حسابه في تركيا، لم يكن اختيار الأسماء عشوائياً، بل تركز على تفكيك الشبكات الاقتصادية التي يُعتقد أنها تشكل قاعدة دعم لوزير الخارجية الحالي هاكان فيدان وشقيقه سيزجين فيدان. برز اسم سمراء إليك، مالكة شركة SMR للدفاع، كهدف رئيسي؛ ليس بسبب علاقتها المزعومة بالمافيا، بل لمشروعها الطموح المتمثل في بناء “سفينة مستشفى عسكرية” بتكلفة تقديرية بلغت نصف مليار دولار. هذا المشروع، الذي نال مباركة مبدئية من الرئاسة، وضعها في صدام مباشر مع “رادار” خلوق بيرقدار، رئيس مجلس إدارة شركة “بايكار”، شقيق سلجوق بيرقدار، صهر الرئيس أردوغان، والذي يسعى لاحتكار النفوذ في التصنيع العسكري وتجفيف منابع الدعم المالي للمنافسين المحتملين.
في السياق ذاته، شمل التنكيل شركة Assan للدفاع وصاحبها أمين أونر، المحسوب على تيار فيدان، حيث وُضع تحت طائلة قضية الاغتيال المزعومة لإجباره على التخلي عن أصول شركته لصالح صندوق ضمان تأمين الودائع (TMSF) تمهيداً لبيعها بأسعار زهيدة. كما طالت الحملة إسماعيل تيرليميز، واجهة شركة Arca للدفاع، التي شهدت نمواً انفجارياً بفضل عقود قذائف المدفعية المرتبطة بحرب أوكرانيا، وانتهى به الأمر خاضعاً لإرادة “مجموعة بيرقدار” بعد تجميد نشاطه ومنعه من دخول وزارة الدفاع.
القضاء كأداة للارتقاء الوظيفي
شكل المسار القانوني لهذه القضية دليلاً صارخاً على توظيف القضاء في الصراعات البينية، إذ قاد النائب العام أكين غورليك، الذي تسلم منصب وزير العدل لاحقا، فريقاً من القضاة والمدعين العامين لصياغة الاتهامات. ومن المثير للدهشة أن الأسماء التي نُكل بها في الاعتقالات الأولية، حصلت لاحقاً على قرارات “بعدم المتابعة” بعد أن حققت العملية أهدافها الاقتصادية بانتزاع الشركات أو تحييد أصحابها.
كافأت السلطة المنفذين ترقيات استثنائية؛ فالقاضية برنا توتكا، التي وقعت قرارات الحبس، شوهدت في الصفوف الأولى لمراسم تسليم المهام في وزارة العدل بين وزير العدل الحالي غورليك وسلفه، والمدعون العامون الذين صاغوا لوائح الاتهام الهشة رُقوا إلى مناصب نواب رئيس مدعي عام في مناطق حيوية. هذا التسلسل يؤكد أن الغرض لم يكن تحقيق العدالة، بل ترهيب قطاع الأعمال وضمان الولاء المطلق للمركزية المالية الجديدة.
صراع الأجنحة: “بيرقدار” في مواجهة الجميع
تُظهر التطورات أن خلوق بيرقدار قد نجح في بناء “كابينة ظل” تفرض هيمنتها الفعلية على وزارات الدفاع، والتجارة، والعدل، متجاوزاً في نفوذه شخصيات تاريخية في الحزب الحاكم. الصراع الحالي هو صراع على “مرحلة ما بعد أردوغان”، حيث يسعى كل جناح لتأمين موارد مالية هائلة وسيطرة على قطاع الدفاع لضمان البقاء في معادلة السلطة المستقبلية. في هذه المعركة، تُستخدم ملفات “الاغتيال” و”الإرهاب” كأدوات قانونية لتصفية الحسابات الشخصية والمالية، بعيداً عن مصلحة الدولة العليا أو الأمن القومي الحقيقي.
التحليل والسياق الأخير
إن انهيار قضية “مؤامرة الاغتيال” قانونياً مع بقاء آثارها الاقتصادية المدمرة يشير إلى تحول الدولة التركية نحو نموذج “الخصخصة الأمنية للنفوذ”، حيث تبتلع المجموعات المرتبطة بالقصر الشركات الصاعدة تحت غطاء ملاحقة الجريمة المنظمة، وفق تحليل جوهري جوفين. هذا النهج يزعزع ثقة المستثمرين المحليين في قطاع الدفاع ويحول المنافسة التقنية إلى سباق نحو كسب ود مراكز القوى، مما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تراجع الابتكار العسكري لصالح الاحتكار العائلي.
خلاصة
كشفت قضية “مؤامرة الاغتيال” ضد بلدية إسطنبول ورئيسها المعزول أكرم إمام أوغلو عن استخدام ذريعة حماية الشهود كغطاء لتفكيك إمبراطوريات دفاعية محسوبة على أجنحة منافسة داخل السلطة التركية. انتهت المسرحية بتبرئة المتهمين بعد تجريدهم من نفوذهم المالي، مما كرس هيمنة تحالف “بيرقدار-القضاء” على مفاصل الصناعة العسكرية السيادية.

