بعد سنوات من انتقال حركة الطيران التجاري إلى مطار إسطنبول الجديد، تتجه الحكومة التركية إلى منح مطار أتاتورك السابق وظيفة مختلفة تماماً، تقوم على تحويل مبانيه إلى أحد أكبر مراكز ريادة الأعمال والتكنولوجيا في العالم.
ويستهدف المشروع، الذي يحمل اسم “ترمينال إسطنبول” (Terminal İstanbul)، إعادة توظيف مباني الركاب السابقة داخل مطار أتاتورك، بحيث تتحول إلى منظومة متكاملة تضم شركات ناشئة، وصناديق استثمار، ومسرعات أعمال، ومساحات عمل مشتركة، ومراكز احتضان، وقاعات اجتماعات ومؤتمرات، في محاولة لجعل إسطنبول منصة إقليمية ودولية للابتكار وريادة الأعمال.
ويأتي المشروع في سياق سياسة تركية أوسع تسعى إلى تعزيز الاقتصاد القائم على التكنولوجيا والابتكار، واستقطاب المستثمرين ورواد الأعمال الأجانب، في ظل منافسة متزايدة مع مراكز الأعمال الإقليمية، وعلى رأسها دبي.
مساحة ضخمة تجعل المشروع الأكبر من نوعه
يقام المشروع داخل مباني الركاب السابقة في مطار أتاتورك على مساحة تقارب 200 ألف متر مربع، وهي مساحة هائلة ستتحول بالكامل إلى بيئة مخصصة للشركات التكنولوجية والابتكار.
ووفقاً للخطة التنفيذية، تنطلق المرحلة الأولى خلال شهر أغسطس، حيث سيتم افتتاح مساحة أولية تبلغ نحو خمسة آلاف متر مربع تستوعب قرابة خمسين شركة ناشئة ومبادرة ريادية، على أن يرتفع العدد تدريجياً ليصل إلى نحو مئة شركة قبل نهاية العام، تمهيداً لاستكمال تشغيل كامل المجمع خلال المراحل اللاحقة.
ويقول القائمون على المشروع إن الهدف النهائي يتمثل في إنشاء أكبر مجمع عالمي لريادة الأعمال من حيث المساحة وتنوع الخدمات التي يقدمها.
منظومة متكاملة تجمع المستثمرين ورواد الأعمال
يشرف على المشروع وادي المعلومات التركي (Bilişim Vadisi)، الذي يعد أكبر تجمع تكنولوجي في تركيا.
وأوضح الرئيس التنفيذي للمؤسسة، أرقم توزغن، أن الفكرة لا تقتصر على توفير مكاتب للشركات الناشئة، وإنما تقوم على بناء منظومة متكاملة تجمع تحت سقف واحد رواد الأعمال، والمستثمرين المحليين والدوليين، وصناديق رأس المال المخاطر، ومسرعات الأعمال، وبرامج الإرشاد والتوجيه، والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة، والجهات الممولة.
ويهدف هذا التكامل إلى تسهيل حصول الشركات التركية على التمويل، وربطها مباشرة بالأسواق العالمية، ومساعدتها على التوسع خارج تركيا.
شراكات دولية لتعزيز حضور المشروع
حرصت إدارة “ترمينال إسطنبول” منذ المراحل الأولى على استقطاب مؤسسات دولية معروفة في قطاع الابتكار.
ففي ديسمبر 2025، تم توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة عامين مع Techstars İstanbul، إحدى أبرز شبكات تسريع الأعمال العالمية.
وبموجب الاتفاق، ستفتتح المؤسسة مكتباً دائماً داخل المجمع، وستنظم برامج احتضان وتسريع للشركات الناشئة، إلى جانب جلسات الإرشاد، وفعاليات “Startup Weekend”، وبرامج ربط الشركات بالمستثمرين.
كما أعلنت شركة Shanghai State-owned Capital Investment الصينية، وهي شركة استثمار حكومية تدير أصولاً تقدر بنحو 47 مليار دولار، افتتاح مكتب لها داخل المشروع، بما يتيح لها التواصل المباشر مع الشركات التقنية الباحثة عن التمويل.
وانضمت كذلك مؤسسة Flat6Labs، إحدى أكبر مسرعات الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد توقيع اتفاق تعاون في يونيو الماضي.
ولا تقتصر المفاوضات على هذه الجهات، إذ تجري مباحثات مع عدد من صناديق الاستثمار والمؤسسات الإقليمية، من بينها صندوق Disrupt Ventures. وصندوق Enhance Ventures. وصندوق UzVC الأوزبكي، والهيئة العامة السعودية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت“.
وتهدف هذه الشراكات إلى تحويل المشروع إلى منصة استثمارية عابرة للحدود، تربط الشركات التركية بمصادر التمويل في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
حوافز حكومية لجذب المستثمرين الأجانب
يتزامن المشروع مع حزمة من السياسات الاقتصادية التي أطلقتها أنقرة خلال الفترة الأخيرة بهدف جذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وكانت الحكومة قد أقرت في يونيو نظاماً ضريبياً جديداً يمنح بعض المستثمرين الأجانب، ممن ينقلون إقامتهم إلى تركيا، إعفاءات ضريبية قد تمتد إلى عشرين عاماً، إضافة إلى مزايا مخصصة للشركات التكنولوجية الناشئة.
كما كشف المسؤولون عن إعداد تشريعات جديدة يُتوقع أن يعتمدها البرلمان قريباً، تسمح بتأسيس الشركات بصورة رقمية بالكامل، بما يقلل الإجراءات البيروقراطية ويختصر زمن تأسيس الأعمال.
وفي الوقت نفسه، سيضم المشروع مركز خدمات موحداً يتولى إنجاز معاملات الإقامة والهجرة والضرائب، والضمان الاجتماعي، والإجراءات الإدارية الخاصة بالشركات الأجنبية والعاملين فيها.
ويأمل القائمون على المشروع أن تجعل هذه الخدمات انتقال المستثمرين إلى تركيا أكثر سهولة وسرعة.
ميزة لوجستية نادرة
من أبرز العناصر التي تراهن عليها إدارة المشروع استمرار تشغيل مطار أتاتورك بصورة جزئية.
فعلى الرغم من توقف الرحلات التجارية المنتظمة منذ عام 2019، لا يزال المطار يعمل في مجالات الطيران الخاص، والطيران العام، وصيانة الطائرات.
ويمنح ذلك المشروع ميزة استثنائية تتمثل في إمكانية وصول المستثمرين عبر الطائرات الخاصة مباشرة إلى مجمع “ترمينال إسطنبول”، وعقد اجتماعاتهم داخل الموقع ثم المغادرة، مستفيدين من مبنى كبار الزوار (VIP)، دون الحاجة إلى المرور بالإجراءات التقليدية لدخول البلاد، وفق ما نقلته صحيفة Middle East Eye.
مشروع يولد من رحم جدل سياسي قديم
يرتبط المشروع بتاريخ طويل من الجدل الذي أثاره إغلاق مطار أتاتورك.
فبعد افتتاح مطار إسطنبول الجديد في أبريل 2019، جرى نقل الرحلات التجارية بالكامل إليه ضمن خطة حكومية لإنشاء مركز عالمي للطيران.
وأعقب ذلك إزالة أجزاء من مدارج مطار أتاتورك لإقامة حديقة عامة ومستشفى للطوارئ خلال جائحة كورونا، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من أحزاب المعارضة، ومخططي المدن، وعدد من المؤسسات المهنية، التي رأت أن البنية التحتية الجوية ذات الأهمية الإستراتيجية كان ينبغي الحفاظ عليها.
ورغم استمرار هذا الجدل، فإن مشروع تحويل مباني الركاب إلى مركز للابتكار لم يواجه مستوى الاعتراض نفسه، ويرجع ذلك، بحسب تقارير إعلامية، إلى أن هذه المباني بقيت لسنوات طويلة بلا استخدام واضح بعد انتقال حركة الطيران.
تحديات لا تزال تقلق المستثمرين
ورغم الطموحات الكبيرة للمشروع، لا تزال بعض التحديات تثير حذر المستثمرين الدوليين.
فقد أشار عدد من المستثمرين الذين تحدثوا إلى Middle East Eye إلى أن تغير اللوائح التنظيمية بصورة متكررة، وتعقيدات نظام الهجرة، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بسيادة القانون، تمثل عوامل قد تؤثر في قرار نقل أعمالهم إلى تركيا.
ويضاف إلى ذلك استمرار الضغوط الاقتصادية، إذ لا يزال الاقتصاد التركي يواجه معدلات تضخم مرتفعة، رغم السياسات النقدية والمالية الأكثر تشدداً التي بدأت الحكومة تطبيقها منذ عام 2023، مع توقعات ببقاء التضخم قريباً من مستوى ثلاثين بالمئة بحلول نهاية العام.
ويرى مراقبون أن نجاح المشروع لن يعتمد على البنية التحتية وحدها، بل سيكون مرهوناً أيضاً باستقرار البيئة التشريعية، ووضوح القواعد التنظيمية، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وقدرة الحكومة على تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب.
قراءة تحليلية: هل تنجح إسطنبول في إعادة رسم خريطة الابتكار؟
يحمل “ترمينال إسطنبول” دلالات تتجاوز مجرد إعادة استخدام مبنى مطار سابق، فهو يعكس تحولاً في رؤية أنقرة نحو الاستثمار في اقتصاد المعرفة، والسعي إلى جعل التكنولوجيا والابتكار أحد محركات النمو خلال السنوات المقبلة.
ويستفيد المشروع من عدة عناصر قوة، أبرزها الموقع الجغرافي الذي يربط أوروبا بآسيا، والبنية التحتية المتطورة، والشراكات الدولية، والحوافز الضريبية، إضافة إلى وجود منظومة متنامية من الشركات التقنية التركية التي حققت خلال الأعوام الأخيرة حضوراً لافتاً في مجالات البرمجيات، والألعاب الإلكترونية، والتقنيات الدفاعية، والتكنولوجيا المالية.
في المقابل، فإن المنافسة مع مراكز إقليمية راسخة مثل دبي والرياض وأبوظبي لن تكون سهلة، إذ تمتلك هذه المدن خبرات طويلة في استقطاب رؤوس الأموال العالمية، فضلاً عن بيئات تنظيمية مستقرة نسبياً.
ومن ثم، فإن قدرة “ترمينال إسطنبول” على التحول إلى مركز عالمي حقيقي ستتوقف على نجاح تركيا في تحقيق توازن بين توفير الحوافز الاستثمارية، وتعزيز اليقين القانوني، والمحافظة على استقرار الاقتصاد الكلي، بما يسمح بتحويل المشروع من مبادرة عمرانية ضخمة إلى منصة إقليمية مستدامة للابتكار والتكنولوجيا.

