أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عزمه الدعوة إلى اجتماع غير رسمي جديد بشأن قبرص، يضم قيادتي الشطرين اليوناني والتركي، إلى جانب الدول الثلاث الضامنة، في خطوة تهدف إلى إعادة إطلاق المسار السياسي المتعثر منذ سنوات، وإنهاء حالة الجمود التي تخيم على واحدة من أطول النزاعات غير المحسومة في شرق البحر المتوسط.
وجاء الإعلان عقب سلسلة لقاءات منفصلة ومشتركة عقدها غوتيريش مع رئيس قبرص اليوناني نيكوس خريستودوليدس، ورئيس القبارصة الأتراك طوفان إرهورمان، خلال زيارة وصفت بأنها محطة مفصلية في الجهود الأممية الرامية إلى إعادة بناء الثقة بين الجانبين.
وأكد الأمين العام أن الأطراف المعنية، بما في ذلك الدول الضامنة، أبدت موافقتها المبدئية على عقد الاجتماع الجديد، إلا أنه شدد على أن انعقاده مرهون بتوفير الظروف المناسبة وتحقيق تقدم ملموس في إجراءات بناء الثقة، حتى لا يتحول إلى لقاء جديد بلا نتائج عملية.
اجتماع بصيغة “خمسة زائد واحد”
يرتكز الاجتماع المرتقب على الصيغة المعروفة باسم “خمسة زائد واحد”، والتي تجمع ممثلي طرفي الجزيرة، إلى جانب تركيا واليونان والمملكة المتحدة باعتبارها الدول الضامنة لاستقلال جمهورية قبرص وفق اتفاقيات عام 1960، بينما تتولى الأمم المتحدة إدارة ورعاية الحوار.
وأوضح غوتيريش أن الهدف لا يتمثل في عقد اجتماعات بروتوكولية، وإنما في الوصول إلى نتائج قابلة للتنفيذ، مؤكداً أنه لا يرغب في تنظيم جولات جديدة من المحادثات ما لم تتوافر مؤشرات حقيقية على إمكانية إحراز تقدم.
وأشار إلى أنه لم يتم تحديد موعد للاجتماع المقبل، لكنه أوضح أن جميع الأطراف اتفقت على العمل بوتيرة سريعة من أجل تهيئة الظروف اللازمة لانعقاده.
أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة منذ أكثر من عقد
يحمل التحرك الأممي الحالي أهمية إضافية، إذ يمثل أول زيارة يقوم بها أمين عام للأمم المتحدة إلى قبرص منذ عام 2010، كما يأتي في الأشهر الأخيرة من ولاية غوتيريش، الذي تنتهي مهمته نهاية عام 2026.
ويرى مراقبون أن الأمين العام يسعى إلى تحقيق اختراق في الملف القبرصي قبل مغادرته منصبه، بعدما ظل النزاع يراوح مكانه طوال السنوات الماضية رغم تعدد المبادرات الدولية.
خريستودوليدس: النقاش عاد إلى جوهر القضية
من جانبه، رحب رئيس جمهورية قبرص نيكوس خريستودوليدس بنتائج اللقاء، معرباً عن تفاؤله بإمكانية استئناف العملية السياسية.
وأشار إلى أن المباحثات تناولت للمرة الأولى منذ انهيار مفاوضات عام 2017 القضايا الجوهرية المرتبطة بالنزاع، وهو ما اعتبره مؤشراً على انتقال الحوار من مناقشة الإجراءات الشكلية إلى بحث عناصر التسوية الأساسية.
وأكد أن أي مفاوضات مقبلة لن تبدأ من نقطة الصفر، بل ستستند إلى ما تحقق في الجولات السابقة، مضيفاً أن الاتحاد الأوروبي أبدى استعداده للقيام بدور أكثر فاعلية في دعم العملية السياسية إذا استؤنفت المفاوضات رسمياً.
وفي الوقت نفسه، رفض خريستودوليدس الربط بين إطلاق جولة جديدة من المفاوضات وبين تنفيذ إجراءات بناء الثقة بشكل كامل، معتبراً أن المسارين يمكن أن يتقدما بالتوازي.
إرهورمان يجدد دعمه للمبادرة الأممية
بدوره، أبلغ رئيس القبارصة الأتراك طوفان إرهورمان الأمين العام للأمم المتحدة دعمه الكامل للمساعي التي تبذلها المنظمة الدولية لإعادة إحياء المفاوضات، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.
ويعد إرهورمان شخصية سياسية تختلف في رؤيتها عن سلفه أرسين تتار، إذ وصل إلى قيادة الشطر الشمالي بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2025، مستنداً إلى برنامج يدعو لاستئناف مفاوضات التوصل إلى دولة اتحادية ثنائية المنطقتين وثنائية المجتمع، تحت مظلة الأمم المتحدة.
وجاء انتخابه بعد منافسة مباشرة مع تتار، الذي كان يدافع عن خيار حل الدولتين، وهو الطرح الذي يحظى بدعم أنقرة.
إجراءات بناء الثقة تتقدم ببطء
كانت الأمم المتحدة قد نجحت في مارس/آذار 2025 في التوصل إلى تفاهم بين الجانبين بشأن حزمة من إجراءات بناء الثقة، تضمنت فتح معابر جديدة عبر المنطقة العازلة التي تشرف عليها قوات الأمم المتحدة، إضافة إلى إنشاء محطة مشتركة لإنتاج الطاقة الشمسية يستفيد منها سكان الجزيرة في شطريها.
غير أن تنفيذ هذه التفاهمات شهد تقدماً محدوداً خلال الأشهر الماضية، وهو ما دفع غوتيريش إلى التشديد على ضرورة تحقيق خطوات عملية قبل الانتقال إلى مرحلة المفاوضات السياسية الموسعة.
نزاع ممتد منذ نصف قرن
لا يزال الملف القبرصي أحد أكثر النزاعات تعقيداً في أوروبا والشرق الأوسط، إذ تعيش الجزيرة حالة انقسام منذ عام 1974، عندما تدخلت تركيا عسكرياً في شمال قبرص عقب انقلاب نفذته الجماعة العسكرية التي كانت تحكم اليونان آنذاك بهدف ضم الجزيرة إلى اليونان.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الجزيرة مقسمة بين جمهورية قبرص المعترف بها دولياً، والتي تسيطر على الجنوب ذي الأغلبية القبرصية اليونانية، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، وبين جمهورية شمال قبرص التركية التي أُعلنت عام 1983 ولا تعترف بها سوى تركيا.
لماذا توقفت المفاوضات؟
شهدت العقود الماضية العديد من المبادرات الدولية لإعادة توحيد الجزيرة، إلا أن جميعها انتهى دون اتفاق نهائي.
وكانت آخر جولة مفاوضات شاملة قد عُقدت في منتجع كرانس مونتانا السويسري عام 2017، لكنها انهارت بسبب استمرار الخلافات حول ملفات أساسية، من أبرزها الضمانات الأمنية ومستقبل نظام الدول الضامنة، والوجود العسكري التركي في شمال الجزيرة، وتقاسم السلطات والصلاحيات داخل الدولة المستقبلية، ومفهوم المساواة السياسية بين المجتمعين، وقضايا الحدود والأراضي وإعادة الممتلكات.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت العملية السياسية في حالة جمود طويلة، رغم استمرار الجهود الأممية للحفاظ على قنوات الحوار.

