شهدت العاصمة التركية أنقرة محطة جديدة في مسار العلاقات التركية العراقية، مع استقبال الرئيس رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في أول زيارة رسمية يجريها الأخير إلى تركيا منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو الماضي.
وأسفرت المباحثات عن توقيع خمس اتفاقيات تعاون في مجالات النقل والأمن والشباب والرياضة والملكية الصناعية، إلى جانب بحث مشروع طموح لإقامة شراكة طاقوية واسعة قد تتيح للعراق تزويد تركيا بما يصل إلى مليون برميل من النفط يومياً.
وتأتي هذه الزيارة في مرحلة تشهد إعادة صياغة للعلاقات الاقتصادية والإستراتيجية بين البلدين، خصوصاً بعد انتهاء العمل بالاتفاقية القديمة الخاصة بخط أنابيب كركوك-جيهان في السابع والعشرين من يوليو، وهو ما دفع الجانبين إلى البحث عن إطار جديد أكثر شمولاً واستدامة.
مشروع نفطي ضخم… من فكرة إلى اتفاق مرتقب
برز ملف الطاقة باعتباره العنوان الأهم في اللقاء، إذ كشف الرئيس التركي أن رئيس الوزراء العراقي طرح خلال المحادثات استعداد بغداد لتزويد تركيا بما يصل إلى مليون برميل من النفط يومياً، مؤكداً أن العراق، باعتباره دولة مجاورة، قادر على تلبية جزء كبير من احتياجات تركيا النفطية دون الحاجة إلى الاعتماد على مصادر بعيدة.
وأوضح أردوغان أن هذا الطرح لا يمثل اتفاقاً نافذاً حتى الآن، وإنما يشكل الأساس لمفاوضات جارية تهدف إلى التوصل إلى اتفاقية شاملة للتعاون في قطاع الطاقة في أقرب وقت ممكن، بما يحقق مصالح البلدين.
وأشار إلى أن الاتفاق المنتظر لن يقتصر على استئناف تدفق النفط عبر خط كركوك-جيهان فحسب، بل سيشمل أيضاً مجالات إنتاج النفط، ونقله، والاستثمارات المشتركة في قطاع الطاقة، بما يمنح العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعداً أكثر عمقاً.
ومن المهم التمييز بين أمرين؛ فالمليون برميل التي تحدث عنها أردوغان تمثل الكمية التي اقترح العراق تصديرها إلى تركيا مستقبلاً، بينما يختلف ذلك عن الهدف الإستراتيجي لشركة البترول التركية الحكومية (TPAO) الذي يتمثل في الوصول إلى إنتاج عالمي يبلغ مليون برميل يومياً.
خطوة موازية لتعزيز الحضور التركي في قطاع الطاقة العراقي
وفي تطور لافت بالتزامن مع الزيارة، توصلت شركة البترول التركية الحكومية (TPAO) إلى اتفاق مع شركة BP البريطانية للاستحواذ على حصة تبلغ 15% في شركة BP Energy Company of Kirkuk Limited، التي تتولى تنفيذ مشاريع إعادة تطوير عدد من أكبر حقول النفط والغاز في شمال العراق.
ووصف وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار الاتفاق بأنه “خطوة تاريخية”، معتبراً أنه يمثل مرحلة مهمة في مساعي الشركة التركية للتحول إلى لاعب عالمي في قطاع الطاقة وزيادة قدراتها الإنتاجية على المدى الطويل.
ويعكس هذا التطور رغبة أنقرة في الانتقال من دور دولة عبور للطاقة إلى شريك مباشر في عمليات الإنتاج والاستثمار داخل العراق.
انتهاء اتفاقية كركوك-جيهان يفتح الباب أمام صيغة جديدة
تشكل المفاوضات الحالية امتداداً للتحولات التي أعقبت انتهاء الاتفاقية التاريخية المنظمة لعمل خط أنابيب كركوك-جيهان، الذي ينقل النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط.
وترى أنقرة أن المرحلة المقبلة تستوجب إطاراً قانونياً واستثمارياً أكثر اتساعاً، لا يقتصر على تشغيل خط الأنابيب، بل يضع أسساً لتعاون طويل الأمد في مختلف حلقات صناعة الطاقة، بدءاً من الإنتاج وانتهاءً بالتسويق والاستثمار.
النقل والممرات التجارية في صدارة الأولويات
إلى جانب الطاقة، احتلت مشاريع النقل مكانة متقدمة في جدول أعمال الزيارة.
ووقع الجانبان مذكرة تفاهم لإنشاء ممر للنقل البري والسككي عبر المعبر الحدودي المزمع إنشاؤه بين أوفاكوي التركية وفيشخابور العراقية، وهو مشروع ينظر إليه باعتباره حلقة رئيسية في مشروع “طريق التنمية” الذي تسعى بغداد إلى تنفيذه.
ويهدف المشروع إلى إنشاء شبكة سكك حديدية وطرق سريعة تمتد من ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق حتى الحدود التركية، لتربط الخليج العربي بالأسواق الأوروبية عبر الأراضي التركية، بما يعزز مكانة البلدين كمركزين إقليميين لحركة التجارة العالمية.
كما وقع الطرفان مذكرة أخرى تضع إطاراً للتعاون في تطوير البنية التحتية لقطاع النقل داخل العراق مقابل الاستفادة من الموارد الطبيعية، في صيغة تعكس توجهاً جديداً نحو الربط بين الاستثمار والبنية التحتية والموارد الاقتصادية.
تعاون أمني ودفاعي وتنسيق إقليمي
امتدت المحادثات إلى ملفات الأمن والدفاع، حيث أكد أردوغان استعداد تركيا لتلبية احتياجات العراق من الصناعات الدفاعية، مع استمرار التنسيق الأمني بين البلدين في مواجهة حزب العمال الكردستاني (PKK).
وأشار الرئيس التركي إلى وجود حوار وثيق مع بغداد من أجل إنجاح ما وصفه بمشروع “تركيا خالية من الإرهاب”، وصولاً إلى رؤية أوسع لإنشاء منطقة خالية من الإرهاب.
وتأتي هذه التصريحات بعد التطورات التي شهدها ملف الحزب خلال العام الماضي، إذ أعلن حزب العمال الكردستاني في مايو 2025 حل نفسه وإلقاء السلاح استجابة لدعوة زعيمه المعتقل عبد الله أوجلان، بينما تعمل الحكومة التركية حالياً على إعداد حزمة تشريعات لتنظيم المرحلة الجديدة، بما يشمل الوضع القانوني لبعض عناصر الحزب وإمكانية عودة عدد منهم إلى الحياة المدنية.
ملفات إقليمية حاضرة على طاولة المباحثات
لم تقتصر المباحثات على القضايا الثنائية، بل تناولت أيضاً ملفات إقليمية حساسة، من بينها إدارة الموارد المائية، والتعاون في الصناعات الدفاعية، والتطورات الجارية في سوريا وإيران والأراضي الفلسطينية، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.
وتعكس هذه الملفات إدراكاً متزايداً لدى أنقرة وبغداد بأن التعاون الثنائي لم يعد منفصلاً عن التحولات الإقليمية الأوسع، سواء في ملفات الأمن أو الطاقة أو التجارة.
زيارة ضمن سياسة عراقية لتوازن العلاقات
جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى أنقرة بعد جولتين دبلوماسيتين شملتا واشنطن وطهران، في إطار سياسة تنتهجها الحكومة العراقية لتحقيق توازن في علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران ودول الجوار، مع السعي إلى توظيف موقع العراق الجغرافي ليكون نقطة التقاء للمصالح الإقليمية بدلاً من ساحة للتنافس.

