تتشابك في المشهد التركي الراهن تعقيدات السياسة والقانون بمتطلبات النمو الاقتصادي، حيث برزت مؤخراً رؤية نقدية معمقة قدمها “هاشم كيليتش”، الرئيس الأسبق للمحكمة الدستورية، تضع الإصبع على الجرح في علاقة الدولة بالمستثمر الأجنبي .
الاستقلال القضائي كحجر زاوية للأمن الاقتصادي
يرى كيليتش، الذي قاد المحكمة الدستورية لسنوات طوال، أن أي محاولة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية ستصطدم بجدار انعدام الثقة في المنظومة القضائية إذا لم يتم ترميم استقلاليتها. فالاستثمار، بطبيعته، يبحث عن بيئة يسودها اليقين القانوني، حيث ترتبط القدرة على جذب الأموال ارتباطاً طردياً بمدى نزاهة وحيادية المحاكم. إن تآكل هذه الاستقلالية لم يزعزع ثقة الفاعلين الاقتصاديين فحسب، بل امتد تأثيره ليشمل القضاة أنفسهم والأوساط الأكاديمية، مما خلق حالة من الشك العام في قدرة المؤسسات على حماية الحقوق.
تشريح البناء القضائي: أزمة التعددية والتعيينات
ينصب النقد الأساسي على الهيكلية التنظيمية لأهم ثلاث هيئات تشكل العمود الفقري للقضاء والعملية الديمقراطية في تركيا، وهي المحكمة الدستورية، ومجلس القضاة والمدعين العامين (HSK)، والمجلس الأعلى للانتخابات(YSK) . تكمن الإشكالية، وفقاً للرؤية التحليلية لكيليتش، في آلية اختيار الأعضاء التي تفتقر إلى التعددية؛ حيث يهيمن الرئيس والبرلمان على تعيينات المحكمة الدستورية، بينما يلعب مجلس القضاة والمدعين دوراً محورياً في صياغة تكوين المحاكم العليا الأخرى التي ترفد بدورها مجلس الانتخابات بالأعضاء. هذا الترابط الهيكلي يجعل من الصعب ضمان الفصل التام بين السلطات، ويحول القضاء إلى مساحة عرضة للتجاذبات السياسية.
مفارقة “جذب الأموال” وتقييد الفاعلين المحليين
تتجلى الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني في قضية جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك (TÜSİAD)، التي تعد من أكثر المجموعات تأثيراً. ففي الوقت الذي تجوب فيه البعثات الرسمية، وعلى رأسها وزير الخزانة والمالية “محمد شيمشك”، دول الخليج والعالم بحثاً عن تدفقات نقدية، تعرض قادة هذه الجمعية، مثل “أورهان توران” و”عمر عارف أراس”، للتوقيف والتحقيق. جاءت هذه الإجراءات رداً على انتقاداتهم الموجهة للإدارة الاقتصادية وضعف سيادة القانون، مما أدى لصدور أحكام قضائية ضدهم بتهمة “نشر معلومات مضللة”، وهي مفارقة صارخة تعطي إشارات سلبية للمستثمر حول سقف الحرية المتاح وحماية أصحاب المصالح.
المؤشرات الاقتصادية تحت مجهر الواقع الحقوقي
رغم الجهود التي تبذلها الحكومة منذ عودة “محمد شيمشك” في عام 2023 لرئاسة الاقتصاد من أجل إعادة التوازن لليرة ومكافحة التضخم، إلا أن الأرقام لا تزال تعكس حاجة ماسة لمزيد من التدفقات. وبحسب تقرير مناخ الاستثمار الأمريكي لعام 2025، فإن تركيا تحتاج إلى استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة لتمويل عجز الحساب الجاري، ومع أن هذه التدفقات ارتفعت من 5.9 مليار دولار في 2023 إلى 6.7 مليار دولار في 2024، إلا أن القلق السياسي والقانوني يظل عائقاً أمام قفزة استثمارية كبرى. ويرتبط هذا التردد الدولي بملفات حقوقية شائكة، من بينها عدم الامتثال لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية في القضايا الحساسة.
من حرية التعبير إلى “سياسة الصمت“
ينبه السياق الحالي إلى تحول خطير في المجتمع التركي، حيث انتقل الأفراد من ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير إلى ما يصفه كيليتش بـ “حق الصمت” نتيجة التضييق المستمر. وتزامن ذلك مع تقارير لمنظمات حقوقية تشير إلى حالة من “الموت المدني” استمرت لعقد من الزمن نتيجة عمليات التطهير الجماعية التي تلت محاولة الانقلاب الغامضة في 2016، فضلاً عن استمرار ملاحقة رؤساء بلديات المعارضة والشخصيات العامة. وفي حين تصر السلطات الرسمية على استقلالية القضاء التامة، تظل الوقائع الميدانية والضغوط الاقتصادية ترسم صورة مغايرة تتطلب إصلاحاً بنيوياً يتجاوز الحلول المالية المؤقتة.
خلاصة
لا يمكن لتركيا تحقيق استدامة اقتصادية عبر الأدوات المالية وحدها ما لم يقترن ذلك بإصلاح قضائي شامل يضمن التعددية ويحمي حرية التعبير للفاعلين الاقتصاديين. إن الثقة في المحاكم هي الضمانة الوحيدة التي تحول التدفقات النقدية من مجرد ديون أو استثمارات عابرة إلى شراكات تنموية طويلة الأمد.

