بقلم: سليم نيازي أوغلو
تتبوأ المملكة المغربية اليوم مكانة مركزية في قلب التحولات الأمنية المتسارعة التي تعيد صياغة التوازنات الإقليمية والدولية، حيث انتقلت الرباط من دور الشريك التقليدي المكتفي بالتنسيق، إلى فاعل استراتيجي ومؤثر بنيوي في هندسة الأمن من غرب المتوسط وصولاً إلى عمق منطقة الساحل. ويعكس هذا التموضع الجديد نضجاً في الرؤية الدفاعية المغربية التي تزاوج بين تعزيز السيادة العسكرية الوطنية وبين صياغة شراكات مؤسسية عابرة للقارات، مما يجعله رقماً صعباً في معادلة الاستقرار العالمي.
ترسيخ الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ومأسسة التعاون العسكري
تتجه العلاقات العسكرية بين الرباط وواشنطن نحو مستويات غير مسبوقة من المؤسسية، وهو ما تجسده اللقاءات رفيعة المستوى التي تجمع قيادات الجيشين، وآخرها المباحثات التي ضمت المفتش العام للقوات المسلحة الملكية ووزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول، وفق ما جاء في تقرير نشرته صحيفة “العرب” اللندنية. هذا الزخم لا يقتصر على المشاورات الدبلوماسية، بل يترجم إلى حوار استراتيجي منتظم يهدف إلى تعزيز الجاهزية وتطوير القدرات المشتركة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، تبرز مناورات “الأسد الإفريقي 2026” كأضخم تمرين عسكري متعدد الجنسيات في القارة السمراء، حيث اكتسبت هذه الدورة رمزية استثنائية بتزامنها مع الذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة. وقد شارك في هذه المناورات أكثر من خمسة آلاف عنصر، وتوزعت أنشطتها الميدانية بين مدن ومناطق استراتيجية شملت أكادير، وطانطان، وبنجرير، وتارودانت، وتيفنيت، والداخلة، مما يعزز من السيطرة العملياتية على مختلف التضاريس والبيئات القتالية.
التكامل العملياتي وتحديث الترسانة الدفاعية كركيزة للسيادة
لم تعد التدريبات العسكرية مجرد استعراض للقوة، بل أصبحت منصة للتكامل العملياتي المعقد الذي يشمل عمليات برية وبحرية وجوية، بالإضافة إلى تمارين القوات الخاصة والإنزال الجوي في ظروف تحاكي الواقع القتالي بدقة متناهية ليلًا ونهارًا. وتجلى هذا التطور النوعي في احتضان منطقة طانطان لأول دورة تأهيل لموجهي الإسناد المتقدم، لتمكين القوات المسلحة الملكية من توجيه الضربات الجوية والمدفعية بدقة عالية من الخطوط الأمامية، بمشاركة فعالة من القوات الجوية ومشاة البحرية الأميركية، وبحضور ممثلين عن كندا والمجر لتبادل الخبرات الدولية.
ويواكب هذا التطور الميداني تحديث تقني ملموس للترسانة العسكرية، حيث تسلم المغرب الدفعة الثانية من مروحيات “أباتشي AH-64E Guardian”، التي تعد فخراً للصناعة الدفاعية الأميركية. وتمنح هذه المروحيات القوات الملكية تفوقاً جوياً بفضل أنظمة الاستهداف الدقيق والربط الرقمي المتقدم، مما يرفع من مستوى التشغيل البيني مع الحلفاء ويؤكد التوجه المغربي نحو تحقيق أعلى درجات السيادة الدفاعية والقدرة على إدارة العمليات العسكرية متعددة الأبعاد.
المغرب وإعادة هندسة الأمن الأوروبي من منظور بنيوي
بالتوازي مع المحور الأطلسي، يبرز المغرب كلاعب لا غنى عنه في حماية الأمن القومي الأوروبي، حيث لم تعد العلاقة محصورة في ملفات تقليدية كالهجرة غير النظامية، بل امتدت لتشمل قضايا بنيوية تمس جوهر الاستقرار الأوروبي. وقد تكرس هذا الدور مع إطلاق “ميثاق المتوسط” والزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى، مثل زيارة مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، التي أكدت أن الشراكة مع الرباط باتت تشمل الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والصمود السيبراني.
ويستمد المغرب قوته في هذا الإطار من رصيد مؤسساتي يجمع بين الكفاءة الاستخباراتية المشهود لها عالمياً، والاستقرار السياسي الداخلي، والقدرة على العمل كجسر رابط بين الفضاء المتوسطي والعمق الأفريقي. هذا التموضع يسمح للرباط بالمساهمة في تأمين البنى التحتية الرقمية والبحرية، والوقاية من التطرف، مما يحولها من “حارس للحدود” إلى “شريك في صياغة السياسات الأمنية”.
مواجهة تهديدات الساحل وصناعة الاستقرار الإقليمي
تتعاظم أهمية الدور المغربي بالنظر إلى التدهور الأمني في منطقة الساحل، التي باتت تصنف كبؤرة الإرهاب الأولى عالمياً، خاصة مع تزايد وتيرة الهجمات المعقدة التي تنفذها جماعات إرهابية وانفصالية، كما حدث في مالي مؤخراً. ويمثل المغرب في هذا السياق صمام أمان يمنع تمدد هذه التهديدات نحو الشمال، مستنداً إلى رؤية أمنية متكاملة تربط بين الأمن المادي والمقاربات الوقائية.
إن الاستشراف المستقبلي يشير إلى أن دور المغرب سيشهد مزيداً من التعقيد الإيجابي، حيث سيلعب دور المحور في الربط بين الأمن البحري والأمن التكنولوجي، مع تعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة النزعات الانفصالية والتهديدات الهجينة. وبذلك، يثبت المغرب أنه لم يعد مجرد مساهم في إدارة الأزمات العارضة، بل هو طرف فاعل في تعريف طبيعة التهديدات وبناء الأدوات الاستراتيجية الكفيلة بصدها، مما يعزز موقعه كقطب استقرار في عالم مضطرب.
خلاصة
ينتقل المغرب بخطى ثابتة نحو ريادة أمنية دولية، محولاً موقعه الجغرافي وشراكاته العسكرية النوعية إلى قوة استراتيجية تساهم بفعالية في صياغة قواعد الأمن الإقليمي والدولي.

