شهد قطاع النشر في تركيا خلال عام 2025 تحولات لافتة تعكس حالة من التراجع الهيكلي، رغم بعض المؤشرات الرقمية التي قد تبدو إيجابية ظاهريًا. فقد أظهر تقرير اتحاد الناشرين الأتراك أن إجمالي إنتاج الكتب الخاضعة لنظام “البانديرول” بلغ أكثر من 407 ملايين نسخة، مسجلًا انخفاضًا طفيفًا مقارنة بالعام السابق. ومع احتساب الكتب غير الخاضعة للترخيص الرسمي والمطبوعات المجانية، ارتفع إجمالي الإنتاج إلى نحو 707 ملايين نسخة.
ورغم هذا الحجم الكبير من الإنتاج، فإن القراءة الاقتصادية للقطاع تكشف عن اختلالات عميقة، حيث بلغ متوسط عدد الكتب للفرد الواحد 8.2 كتاب سنويًا، وهو رقم لا يعكس بالضرورة جودة المحتوى أو تنوعه.
النمو الاسمي والانكماش الفعلي: مفارقة الأرقام
حقق سوق بيع الكتب بالتجزئة نموًا ملحوظًا بالقيمة الاسمية، إذ ارتفعت الإيرادات إلى ما يزيد عن 59 مليار ليرة تركية، بنسبة تقارب الربع مقارنة بالعام السابق. غير أن هذا النمو يتلاشى عند احتسابه بالقيمة الحقيقية، حيث أدت معدلات التضخم المرتفعة — التي تجاوزت 30% وفق البيانات الرسمية — إلى انكماش فعلي في السوق بنحو 7%.
وتكشف هذه المفارقة عن واقع اقتصادي صعب، إذ ارتفعت تكاليف الإنتاج المرتبطة بالعملة الأجنبية بنسبة قاربت 84%، في حين اضطر الناشرون إلى خفض الأسعار المقترحة للكتب بنحو 15%، ما أدى إلى تآكل هوامش الربح وتراجع القدرة على الاستثمار في محتوى جديد.
انهيار غير مسبوق للنشر الأكاديمي
أخطر ما ورد في التقرير يتمثل في التراجع الحاد للنشر الأكاديمي، الذي هبط إلى أقل من 1% من إجمالي السوق، وهو أدنى مستوى في تاريخ تركيا الحديث. وتكتسب هذه النسبة دلالتها عند مقارنتها بالدول المتقدمة، حيث يشكل هذا النوع من النشر ما بين خمس إلى ثلث السوق.
هذا الانهيار لا يعكس مجرد تغير في تفضيلات القراءة، بل يشير إلى أزمة بنيوية في إنتاج المعرفة، حيث باتت الجامعات — المفترض أن تكون محركًا رئيسيًا للبحث العلمي — عاجزة عن دعم هذا القطاع.
القيود الجامعية والقرصنة: عوامل متشابكة
تُعزى هذه الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها انتشار النسخ غير القانونية سواء عبر مراكز التصوير أو المنصات الرقمية. وقد تفاقمت المشكلة مع فرض قيود على توصية الأساتذة الجامعيين بالكتب، نتيجة شكاوى قُدمت عبر قنوات رسمية، ما أدى إلى تقليص الطلب المؤسسي على الكتب الأكاديمية.
هذا التقييد أضعف العلاقة بين الإنتاج العلمي وسوق النشر، وحوّل العديد من المراجع الأكاديمية إلى مواد متداولة بشكل غير رسمي، ما حرم الناشرين من عائداتهم وأضعف استدامة هذا المجال.
تراجع الطباعة: أرقام تعكس الانكماش
تعكس بيانات الطباعة حجم الأزمة بوضوح؛ إذ انخفضت أعداد النسخ المطبوعة في الطبعة الأولى للكتب الأكاديمية من نحو ألفي نسخة في السابق إلى ما يقارب 542 نسخة فقط. كما تراجع المتوسط العام للطباعة إلى 681 نسخة، وهو مؤشر على تقلص الطلب وتزايد المخاطر المالية التي يتحملها الناشرون.
ولا يقتصر التراجع على المجال الأكاديمي، بل امتد إلى الأدب والكتب الثقافية، حيث انخفضت أعداد الطبعات الأولى في الروايات والكتب العامة إلى نحو 1152 نسخة، مقارنة بمعدلات سابقة تراوحت بين ألفين وثلاثة آلاف نسخة. كما شهدت فئة الكتب الثقافية تراجعًا في الإنتاج بنسبة 8%، متأثرة بالظروف الاقتصادية.
أدب الأطفال: الاستثناء الإيجابي
في مقابل هذا التراجع العام، برز قطاع كتب الأطفال كالنقطة الأكثر إشراقًا في السوق. فقد ارتفعت أعداد الطبعات الأولى إلى متوسط يقارب 4591 نسخة، بينما وصلت إعادة الطباعة إلى أكثر من 6000 نسخة في المتوسط.
ويعكس هذا النمو تحولًا في سلوك المستهلك، حيث تواصل الأسر الاستثمار في تعليم الأطفال وثقافتهم رغم الضغوط الاقتصادية، ما يجعل هذا القطاع أقل تأثرًا بالأزمات.
صعود التجارة الإلكترونية: إعادة تشكيل السوق
واصلت المنصات الرقمية تعزيز موقعها في سوق الكتاب، حيث استحوذت على نحو 42% من إجمالي المبيعات. وفي فئة الكتب الثقافية، ارتفعت نسبة المبيعات عبر الإنترنت إلى أكثر من ثلثي السوق.
هذا التحول يعكس تغيرًا جذريًا في أنماط الاستهلاك، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بهوامش الربح، وهيمنة المنصات الكبرى، وتراجع دور المكتبات التقليدية.
أزمة تتجاوز الاقتصاد
لا يمكن تفسير تراجع النشر الأكاديمي في تركيا بمعزل عن السياق الأوسع. فالأزمة الحالية تعكس تداخل عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية، من بينها تقييد الحريات الأكاديمية، وضعف التمويل البحثي، وتغير أولويات السوق.
كما أن هيمنة المحتوى السريع والرقمي، مقابل تراجع القراءة المتخصصة، تسهم في إضعاف الطلب على الإنتاج الأكاديمي، ما يهدد بتآكل البنية المعرفية على المدى الطويل.
وفي سياق عالمي، يشهد قطاع النشر تحولات مشابهة بفعل الرقمنة، إلا أن ما يميز الحالة التركية هو حدة التراجع في مجال يفترض أن يكون ركيزة للتنمية العلمية.

