يرى الكاتب الصحفي والأكاديمي التركي المتخصص في الشؤون الأمنية، أمره أوسلو، أن منطقة الخليج دخلت مرحلة مفصلية جديدة تتجاوز مجرد المناوشات العسكرية التقليدية، لتمس جوهر التوازن الاستراتيجي الذي حافظت عليه طهران لعقود، وذلك في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب.
ويشير أوسلو إلى أن التحرك الأمريكي الأخير، المتمثل في إطلاق ما يعرف بـ “مشروع الحرية” (Freedom Project)، يهدف إلى كسر احتكار إيران للسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، من خلال تقديم “المساندة” أو “الإرشاد” للسفن التجارية، وهو مفهوم تقني يختلف عن “المرافقة العسكرية” التقليدية، حيث تعمل السفن الحربية الأمريكية كنقاط استدلال وتأمين تضمن العبور الآمن دون الدخول في تشكيلات حماية مباشرة.
تآكل التفوق الجيوسياسي: اللحظة الفارقة في مضيق هرمز
يحلل أوسلو هذا التحول بوصفه كسراً لـ “التعادل الاستراتيجي” الذي ساد لفترة طويلة، حيث لم تكن واشنطن قادرة على هزيمة إيران استراتيجياً، ولم تكن طهران قادرة على هزيمة واشنطن عسكرياً. وبحسب رؤيته، فإن قوة إيران لم تكن نابعة من تفوق عسكري كاسح، بل من موقعها الجغرافي المتحكم في الممر المائي بين جبلين، وهو ما مكنها من فرض نفسها كقوة رابعة عالمياً عبر التهديد بإغلاق المضيق وجباية الأثمان السياسية والاقتصادية منه.
ويعتبر أوسلو أن دخول سفينتين مدنيتين ترفعان العلم الأمريكي إلى المضيق تحت حماية الأسطول الأمريكي يمثل غرسًا للعلم الأمريكي في قلب الحصن الاستراتيجي الإيراني، وإثباتاً عملياً بأن المضيق لم يعد منطقة نفوذ مغلقة، مما أفقد طهران أهم أوراق ضغطها الدولي.
الاستراتيجية الإيرانية: ضرب “البردعة” والهروب إلى الأمام
في قراءته لرد الفعل الإيراني، يستشهد أوسلو بالمثل القائل “من عجز عن ضرب الحمار ضرب البردعة”، واصفاً الهجمات الإيرانية على منشآت الفجيرة النفطية في الإمارات بأنها محاولة لرفع التكلفة على حلفاء واشنطن بعد العجز عن مواجهة السفن الحربية الأمريكية مباشرة. فقد استهدفت المسيرات الإيرانية حقول النفط الإماراتية المطلة على بحر عمان، والتي تصدر نحو مليوني برميل يومياً، في رسالة مفادها أن فتح ممرات بديلة لن يحمي إمدادات الطاقة من التهديد.
ويضيف الأكاديمي التركي أن إيران أطلقت أربعة صواريخ باليستية، تم اعتراض ثلاثة منها بينما سقط الرابع في البحر، مما يعكس تصعيداً يهدف إلى استعادة الهيبة المفقودة. كما يتوقف أوسلو عند “حرب الروايات”، منتقداً انجراف بعض الإعلاميين خلف مقاطع فيديو مفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تدعي إصابة سفن أمريكية، مؤكداً أن الصراع الحالي يدار بالبروباغندا وإدارة الإدراك بقدر ما يدار بالصواريخ.
البعد الدولي: صراع الصمامات بين واشنطن وبكين
يربط أوسلو بين أحداث هرمز والصراع العالمي الكبير بين الولايات المتحدة والصين، معتبراً أن واشنطن تسعى للسيطرة على “صمامات الطاقة” التي تغذي التنين الصيني. فبعد سيطرة واشنطن على تدفقات النفط الفنزويلي، يمثل المضيق الصمام الثاني والأهم الذي لا يخضع للرقابة الأمريكية المباشرة. ويرى أن نجاح “مشروع الحرية” يعني وضع اليد الأمريكية على شريان الحياة الاقتصادي للصين، وهو ما سيجعل من واشنطن المتحكم الوحيد في صياغة النظام العالمي الجديد، بينما سيؤدي فشلها إلى بروز إيران كقوة رابعة وتحول الصين إلى القائد الأول للعالم.
المصير النووي وبقاء النظام
يخلص أمره أوسلو إلى أن فقدان إيران لورقة “هرمز” سيجعلها أكثر تمسكاً ببرنامجها النووي، كونه بات “سترة النجاة” الوحيدة المتبقية لبقاء النظام. ويحذر من أن أي استهداف للسفن الأمريكية قد يفتح باب “الخيار النووي” أو تدمير طهران، خاصة في ظل العقلية السياسية الحالية في واشنطن التي لن تقبل بأقل من التبعية الكاملة للصمام النفطي. ويتوقع أوسلو أن تقود هذه الضغوط إلى تغييرات بنيوية في النظام الإيراني قبل نهاية عام 2026، حيث لن يستطيع الصمود أمام العزلة الاستراتيجية وفقدان السيطرة على الممرات المائية، مما سيؤدي بالتبعية إلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية في المنطقة بأكملها، بما في ذلك الداخل التركي وتوازنات القوى العربية والإسرائيلية.
الخلاصة
يمثل “مشروع الحرية” الأمريكي نهاية أسطورة التفوق الإيراني في مضيق هرمز، مما يضع طهران أمام خيارين أحلاهما مر: إما المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تنتهي بكارثة نووية، أو القبول بالوصاية الدولية على شريان الطاقة العالمي.

