باستخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية و شروط الاستخدام .
Accept
Türkiye Today'sTürkiye Today'sTürkiye Today's
  • كل الأخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • سياسة
  • ثقافة وفن
  • دولي
  • محلي
  • تقارير
  • علاقات دبلوماسية
  • مقالات
  • منوعات
Reading: الدين والضغينة: صراع الإيمان والسياسة في تركيا
مشاركة
إشعارات Show More
تغيير حجم الخطAa
Türkiye Today'sTürkiye Today's
تغيير حجم الخطAa
  • كل الأخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • سياسة
  • ثقافة وفن
  • دولي
  • محلي
  • تقارير
  • علاقات دبلوماسية
  • مقالات
  • منوعات
Have an existing account? تسجيل الدخول
Follow US
  • اتصل
  • مقالات
  • شكوى
  • يعلن
© 2022 Foxiz News Network. Ruby Design Company. All Rights Reserved.
Türkiye Today's > تقارير > الدين والضغينة: صراع الإيمان والسياسة في تركيا
تقاريركل الأخبار

الدين والضغينة: صراع الإيمان والسياسة في تركيا

:آخر تحديث 21 أغسطس 2026 17:48
منذ ساعة واحدة
مشاركة
مشاركة

تتجلى في الفضاء السياسي والاجتماعي التركي معضلة بالغة التعقيد، تتشابك فيها خيوط العقيدة الدينية بالخصومة السياسية والاجتماعية، وهي القضية التي يفكك أبعادها الكاتب والباحث التركي نديم حذار في قراءته التحليلية المعمقة في مقاله بموقع (TR724) الإخباري التركي.

ويستند الباحث في أطروحته إلى رصد لغوي وفلسفي وتاريخي دقيق، مستقرئاً التحولات العميقة التي تعصف بالبنية المجتمعية لتركيا المعاصرة، ومحذراً من مآلات خطيرة تهدد السلم الأهلي وجوهر التدين ذاته في حال استمرار النهج الحالي.

ثنائية اللفظ وتداخل المعنى في المعجم التركي

يشير الباحث نديم حذار إلى أن اللغة التركية استعارت كلمتين تحمل بينهما فارقاً حرفياً بسيطاً في الكتابة، لكنهما تنطويان على حمولات نفسية واجتماعية متباينة للغاية. الكلمة الأولى هي “الدين“ (Din)، المستمدة من اللغة العربية والتي تشير في جذورها إلى القضاء، والدَّين، والالتزام والارتباط الروحي. أما الكلمة الثانية فهي “الضغينة“ أو الكراهية (Kin)، المنحدرة من اللفظة الفارسية “كينه” (Kîne)، والتي تعني الغضب المُكثف والمُخزن بعناية مع مرور الوقت ليتخمر ويتحول إلى حقد دفين.

ويرى حذار أن هاتين المفردتين، ورغم دخولهما المعجم التركي من بوابتين متباعدتين، تعايشتا في ذات الغرفة السياسية والاجتماعية في تركيا طيلة القرن الماضي. وقد بلغ هذا التعايش حداً من التماهي والاندماج جعل من الصعب التمييز بينهما في الفضاء العام، إلا إذا بادرت بالسؤال أولاً عن الجهة التي يوجه نحوها الفرد غضبه ونقمته.

من “الدين ضد الدين” إلى “عقيدة الضغينة“

يعود الكاتب إلى الأطروحة الفلسفية للمفكر الإسلامي الإيراني علي شريعتي، والتي تفترض أن الصراع التاريخي لم يكن يوماً بين الإيمان والإلحاد، بل كان صراعاً مستمراً بين دينين: “دين التوحيد“ الساعي لتحرير الإنسان، و”دين الشرك” الهادف إلى إخضاعه والتحكم به. ويلفت حذار إلى دقة هذا التحليل، حيث يستخدم كلا المعسكرين ذات النصوص، والآيات، والمعابد. ويستشهد في هذا السياق بواقعة معركة صفين التاريخية، حيث لم يكن خصوم علي بن أبي طالب من عبدة الأوثان، بل كانوا ممن رفعوا المصاحف على أطراف الرماح، وهو ما يمثل ارتداء الشرك لعباءة التوحيد فور عجزه عن السير بزيّه القديم.

ومع ذلك، يطرح نديم حذار إضافة نقدية على معادلة شريعتي؛ مبيناً أن المفكر الراحل عاين من يحولون عقيدتهم إلى ضغينة ونقمة، لكنه لم يشهد الفئة المعاصرة التي تمارس ضغينتها كعقيدة دينية مقدسة. وتجمع الساحة التركية المعاصرة هذين المسارين جنباً إلى جنب في ذات التفاعلات والمشاهد السياسية والأمنية.

ولتقريب هذا المشهد الاستبدادي، يستحضر حذار رمزية قصة “المفتش الأكبر“ من رواية “الإخوة كارامازوف” للروائي الروسي فيودور دستويفسكي، والتي يرويها الشاب إيفان لأخيه أليوشا. تدور أحداث الحكاية الافتراضية في إشبيلية خلال القرن السادس عشر، غداة إحراق مئات المتهمين بالهرطقة علناً أمام الملك والبلاط. وعندما يظهر المسيح صامتاً بين الجماهير، يتعرف عليه الجميع، وعلى رأسهم الكاردينال “المفتش الأكبر” البالغ من العمر تسعين عاماً، والذي يأمر باعتقاله فوراً. وفي عتمة الزنزانة، يواجه الكاردينال المسيح بالحقيقة الكامنة وراء سلطة المؤسسة الكنسية، قائلاً إن منح البشر الحرية كان خطأً لأنهم يعجزون عن تحمل وطأتها، وأن المؤسسة قامت بتصحيح هذا الأمر عبر إعفائهم من عبء الاختيار الحر.

ويفصل الكاردينال في القوى الثلاث التي تسيطر بها الكنيسة على الضمير الإنساني وهي: المعجزة، والسر، والسلطة. كما يعتبر رفض المسيح لتحويل الحجارة إلى خبز في الصحراء خطأً، مستنداً إلى قاعدة أن توفير الخبز يضمن عبادة الناس وتبعيتهم المطلقة.

ملامح المقايضة في الإسلام السياسي التركي

يؤكد الباحث نديم حذار أن تيار الإسلام السياسي الحاكم في تركيا قدم للمجتمع مقايضة مطابقة تماماً لطروحات “المفتش الأكبر” في رواية دستويفسكي. وتجلت هذه المقايضة في ركائز ملموسة شملت ما يلي:

  • توفير الخبز والمنافع المادية: عبر آليات المساعدات الاجتماعية الموجهة، وتوزيع الفحم والمواد الغذائية، والإسكان منخفض التكلفة، ومنح المناقصات والمشاريع الحكومية للموالين.
  • صناعة المعجزة والوعود الكبرى: المتمثلة في أدبيات “البقاء الوطني”، والدعوة الملحمية، والمسيرة المقدسة، وتضخيم الإنجازات الفجائية.
  • توظيف السر والخوف من المجهول: من خلال الترويج لخطاب “العقل المدبر الفوقي”، والعدو المستتر الخفي، والادعاء بامتلاك القائد دون غيره للحقائق المطلقة.
  • فرض السلطة والهيبة المطلقة: من خلال تكريس صورة “زعيم الأمة” الكاريزمي وواجب الطاعة المطلقة لـ”الرئيس”.

ويرى الكاتب أن المقابل الوحيد المطلوب من المجتمع لإتمام هذه الصفقة كان التخلي عن السؤال، والمساءلة، والمحاسبة، والكف عن إبداء الفضول المعرفي. ومع غياب التفكير النقدي، انحصر دور الدين في وظيفته الأكثر خطورة: تبرير وتمرير قرارات السلطة وممارساتها.

تفريغ العدالة وشرعنة التقصير البشري باسم القدر

ينتقد حذار تحوير المفاهيم العدلية التقليدية في الثقافة الشعبية، مثل مقولة “الإصبع التي تقطعها الشريعة لا تؤلم“. فبينما كانت هذه العبارة تجسيداً للمساواة التامة أمام القانون وجريانه على الجميع بلا استثناء، باتت تُستخدم اليوم في ظل نظام قانوني غير متكافئ لتكميم أفواه الضحايا ومنعهم من إبداء الألم.

ويضرب الكاتب مثالاً ملموساً على هذا التحوير بفاجعة حريق سكن الطالبات في منطقة “ألاداغ“ التابعة لولاية أضنة في التاسع والعشرين من نوفمبر عام ٢٠١٦. تسبب الحريق، الذي وقع في مبنى تابع لجماعة السليمانيين، في وفاة إحدى عشرة طفلة بالإضافة إلى المعلمة فاطمة جاناتان البالغة من العمر عشرين عاماً، وإصابة اثنتين وعشرين طالبة أخرى. وكان غالبية الضحايا من الفتيات الصغيرات اللواتي تتراوح أعمارهم بين ستة أعوام وثلاثة عشر عاماً. وقد أثبتت التحقيقات الرسمية وجود إهمال صارخ تمثل في قفل باب مخرج الطوارئ، حيث عُثر على جثث الأطفال متكدسة خلف ذلك الباب الموصد.

ورغم ذلك، يبرز التوظيف الأيديولوجي للقدر عندما عزا أحد مسؤولي الجماعة الفاجعة إلى “تقدير الله”. ويرى نديم حذار في هذا التبرير خطراً جسيماً، حيث يُحمّل القدر مسؤولية التقصير الإداري وغياب الرقابة الفنية، ليتحول المفهوم الإلهي إلى غطاء تأميني يحمي المتقاعسين من المساءلة البشرية.

“الإلتصاق” كأداة حديثة للإقصاء والحرمان الكنسي

يتناول حذار المفهوم القانوني المستحدث في تركيا وهو “الإلصاق أو الالتصاق“ (İltisak)، مبيناً أنه مصطلح فضفاض يفتقر إلى أي تعريف محدد أو مقياس دقيق في القانون الجنائي المعاصر. ويُستخدم هذا المفهوم لتدمير حياة الأفراد ومصادرة حقوقهم بناءً على معايير مرنة وغير موضوعية، مثل المدرسة التي درس فيها الفرد، أو البنك الذي أودع فيه أمواله، أو التطبيق الهاتفي الذي قام بتحميله.

ويؤكد الباحث أن هذا المصطلح ليس سوى المعادل المعاصر لـ”الحرمان الكنسي” أو “الآفُوروز“ (Aforoz) الذي كان يمارس في العصور الوسطى. فبينما كانت الكنيسة تطلق وصف “هرطوقي” أو “زنديق” قديماً، تستخدم الإدارة التركية الحديثة مصطلحي “مرتبط” أو “ملتصق”. ويرجع حذار لجوء السلطة إلى مثل هذه المفاهيم شبه الدينية لوعيها بأن المجتمعات تُقاد وتقتنع بمفهوم “الخطيئة والذنب” الروحي بشكل أعمق من اقتناعها بمفهوم “الجريمة والخروج على القانون” المادي.

تسييس اللاهوت وعقيدة الضحية المستمرة

يرى حذار أن التيار الإسلامي الحاكم عكس نظرية عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني كارل شميت الواردة في مؤلفيه “اللاهوت السياسي” (1922) و”مفهوم السياسي” (1932)، والتي تشير إلى أن المفاهيم السياسية الحديثة للدولة هي في أصلها مفاهيم لاهوتية جرى علمنتها. وبدلاً من علمنة اللاهوت، مارست السلطة الحاكمة “تسييساً لاهوتياً” للمشهد، فبات المعارض السياسي “منافقاً”، والانتخابات “جهاداً ومعركة خلاص روحية”، والانتقاد الموجه للسلطة “فتنة” تضرب تماسك المجتمع.

وينسحب هذا التوصيف أيضاً على أطروحة الأنثروبولوجي الفرنسي رينيه جيرارد في كتابه “العنف والمقدس” (1972)، والتي تبين كيف ينشأ المقدس من رحم العنف الجماعي الموجه ضد كبش فداء أو قربان مشترك. وبمجرد تصفية القربان وسفك دمائه، تتوحد الجماعة وتنسى هوية الضحية لتواصل ذات الطقس الإقصائي. ويعتقد حذار أن تركيا تمارس هذا الطقس بشكل متكرر على مدار السنوات العشر الماضية (أو الأربعة عشر عاماً الأخيرة)، حيث يجري استبدال كبش الفداء باستمرار لضمان بقاء طقس التعبئة والترهيب فعالاً.

التبعات الرقمية والمجتمعية لتأميم الدين

يقدم نديم حذار لغة الأرقام والمقارنات التاريخية لإثبات الأثر العكسي لهذه السياسات على معدلات التدين الفعلي في المجتمع التركي. ويستشهد الباحث بالدراسة الإحصائية التي أجرتها مؤسسة “كوندا“ (KONDA) للبحوث في أكتوبر ٢٠٢٤ بمشاركة ستة آلاف ومائة وسبعة وثلاثين شخصاً، مقارنةً ببياناتها لعام ألفين وثمانية:

  • تراجع نسبة التدين الفعلي: انخفضت نسبة الأفراد الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم “متدينون” من خمسة وخمسين بالمائة إلى ستة وأربعين بالمائة.
  • صعود تيار اللادينية: ارتفعت نسبة الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم “ملحدون ولا دينيون” من اثنين بالمائة إلى ثمانية بالمائة.
  • زيادة شريحة الإيمان الفردي المستقل: ارتفعت نسبة الذين يصفون أنفسهم بأنهم “مؤمنون” دون الالتزام بالمظاهر المؤسسية والسياسية للتدين من واحد وثلاثين بالمائة إلى أربعة وثلاثين بالمائة.

ويحلل حذار هذه النتائج مبيناً أن الإسلام كعقيدة لم يخسر معركته في تركيا، بل إن ما يتآكل بسرعة هو “ادعاء التدين السلطوي”. فالناس يحتفظون بوجدانهم الإيماني لكنهم ينفرون من التمثيل السياسي والمؤسسي للدين؛ مما يعني أن التراجع الحقيقي يصيب “تجارة التدين” وليس الإيمان ذاته.

قراءة مقارنة في التجارب الإقليمية والدولية

يرى الباحث أن هذا التراجع لا يعد فريداً في التاريخ الإنساني، بل يتبع نموذجاً مكرراً شهده العالم في دول ومجتمعات أخرى:

  • التجربة الإيرانية: رغم إعلان الإحصاءات الرسمية بعد ثورة عام ١٩٧٩ أن نسبة المسلمين تبلغ تسعة وتسعين ونصف بالمائة، إلا أن استطلاعاً أجرته مؤسسة “غامان“ (GAMAAN) في يونيو ٢٠٢٠ شمل أكثر من خمسين ألف مشارك كشف أن اثنين وثلاثين بالمائة فقط يعرّفون أنفسهم كمسلمين شيعة. بينما توزعت النسب المتبقية بين تسعة بالمائة ملحدين، وثمانية بالمائة زرادشتيين، وسبعة بالمائة روحيين، وستة بالمائة لا أدريين، مع إفادة نصف المشاركين بفقدانهم للتدين في مرحلة ما من حياتهم.
  • التجربة الإسبانية: شهدت إسبانيا خلال حقبة الجنرال فرانكو، والتي اعتمدت “الكاثوليكية الوطنية” كعمود فقري للنظام، تراجعاً حاداً وسريعاً في التدين والارتباط بالكنيسة فور انتهاء حكمه الاستبدادي عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين.

ويستخلص حذار من هذه المقارنات حتمية تاريخية تفيد بأن شراكة الدين مع السلطة تمنحه نفوذاً مؤقتاً لكنها تفقده هيبته ومكانته الأخلاقية على المدى الطويل، نظراً لأن المجتمع يحمّل المفاهيم والمقدسات الدينية مسؤولية الفساد والانحراف الصادر عن السلطة السياسية التي تتدثر بها. ويحذر من أن الفاتورة الكبرى بعد زوال هذا النظام لن تدفعها السلطة وحدها، بل ستُدفع من رصيد الرموز الدينية كالحجاب، ومدارس الأئمة والخطباء، وحلقات تحفيظ القرآن، والجماعات الدينية.

عقيدة الضغينة في الضفة المقابلة: الجاكوبية وتكرار الخطأ

ينبه الكاتب إلى أن المأزق التركي لا يقتصر على المعسكر المحافظ الحاكم، بل يمتد إلى المعارضة العلمانية التي تمارس ضغينتها الخاصة بأسلوب لا يقل دوغمائية ونزوعاً نحو التفتيش والرقابة. ويستحضر حذار هنا شخصية الثائر الفرنسي ماكسيميليان روبسبير، المحامي الإقليمي وقائد الجاكوبيين الملقب بـ”النزيه” لاستقامته وبساطة عيشه. ورغم كونه معارضاً لعقوبة الإعدام في بداياته، إلا أنه قاد مرحلة “الرعب” بعد دخوله لجنة السلامة العامة عام ١٧٩٣، مرسلاً عشرات الآلاف إلى المقصلة بداعي “الفضيلة الروحية والأخلاقية المحمية بالترهيب والعنف”.

وتشير وقائع الثورة الفرنسية إلى تحول كاتدرائية “نوتردام” العريقة إلى “معبد العقل” في العاشر من نوفمبر عام ١٧٩٣، حيت أقيمت طقوس جديدة تلغي الإرث المسيحي القديم وتتخذ من مغنية أوبرا تجسيداً للحرية. غير أن روبسبير سرعان ما اعتبر الإلحاد “انحرافاً أرستقراطياً”، ليؤسس عقيدة جديدة تحت مسمى “عبادة الكائن الأسمى” في ربيع عام ألف وسبعمائة وأربعة وتسعين، سائراً بنفسه في موكب احتفالي حاملاً باقات السنابل والزهور. ومثّل هذا السلوك بداية النهاية له خشية رفاقه من نياته وتمدد مقصلته، ليُعتقل في السابع والعشرين من يوليو عام ألف وسبعمائة وأربعة وتسعين ويُعدم في اليوم التالي دون محاكمة وهو في السادسة والثلاثين من عمره.

ويرى حذار في هذه التجربة دليلاً على أن الضغينة البشرية لا تقوى على العيش بمفردها، بل تحتاج دائماً لتأسيس مقدسها الخاص، وطقوسها الإقصائية، لتمارس من خلالها الحرمان والإبعاد العقدي والنفسي.

تاريخ محاكم التفتيش العلمانية في الدولة التركية

يعتبر حذار أن الدولة التركية تمتلك إرثاً غنياً من ممارسات الإقصاء المتبادل. فإغلاق التكايا والزوايا بالقانون الصادر عام ١٩٢٥ تحول سريعاً من مشروع تحديثي إلى أداة تصفية وإقصاء مجتمعي. وإثر حادثة مقتل الملازم كوبيلاي في بلدة “ميمنمن” في الثالث والعشرين من ديسمبر ١٩٣٠، تأسست محكمة عسكرية استثنائية برئاسة الجنرال مصطفى موغلالي قضت بإعدام سبعة وثلاثين شخصاً، نُفذ الحكم بثمانية وعشرين منهم في الثالث من فبراير عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين. وكانت تهمة بعضهم ممارسة طقوس صوفية سرية، وهو ما يمثل محاكمة للهوية والانتساب لا للفعل الجرمي المادي الصرف.

وينسحب هذا السلوك على حقبة الحزب الواحد وحملات ملاحقة دورات تعليم القرآن، وصولاً إلى مرحلة الثامن والعشرين من فبراير عام ١٩٩٧ الشهيرة بـ”غرف الإقناع” ونظام المعاملات الجامعي المجحف، وإجبار الطالبات على ارتداء الباروكات أو خلع الحجاب على أبواب الجامعات. ويشير حذار إلى أن المصطلح الأبرز في تلك الحقبة وهو “الرجعية“ (İrtica)، يمثل التوأم المتطابق لمفهوم “الإلصاق” (İltisak) المعاصر؛ فكلاهما مصطلحان مطاطان هلاميان يهدفان لمحاكمة الأشخاص بناءً على خلفياتهم الروحية والسياسية لا بناءً على أفعالهم المادية المحددة.

ازدواج المعايير والاصطفاف الأعمى: حملة السليمانيين نموذجاً

تتبدى هذه الازدواجية بوضوح في التعاطي مع الحملة الأمنية والمالية الأخيرة الموجهة ضد جماعة السليمانيين. ويلفت حذار إلى أن فئات وشخصيات طالما اشتكت من غياب العدالة، وبطش الادعاء العام، ومصادرات الممتلكات التعسفية في ملفات سابقة مثل “أرغينيكون” و”باليوز” واصفة إياها بـ”مذابح القانون”، تحولت فجأة إلى جهات تنفيذية تبرر الإجراءات الأمنية بمجرد صدور تقارير “ماساك” (مؤسسة التحقيق في الجرائم المالية) دون انتظار حكم قضائي بات. وباتت صور الأموال المصادرة تُعامل كدليل إدانة قطعي قبل عرضها على المحكمة، تحت ذريعة الدفاع عن مبادئ العلمانية.

ويفسر الكاتب هذا التحول الوجداني بالاستناد إلى أطروحة عالم الاجتماع إريك هوفر في مؤلفه الصادر عام ١٧٥١ “المؤمن الحقيقي“، والذي يرى أن الحركات العقائدية المتطرفة قابلة للتبادل بسهولة. فالشخص المتعصب قد يتحول من شيوعي إلى فاشي، أو من متدين إلى قومي متطرف، لأن البنية النفسية للانتماء الأعمى واحدة وإن تغير مضمون العقيدة. وهو ما ينطبق على تحول كتل واسعة من التيار القومي العلماني “الأولوسالجي” إلى سيف مسلط بيد السلطة الإسلامية الحاكمة في تركيا؛ كنيستان مختلفتان بمحكمة تفتيش واحدة، وطقوس مختلفة لكن المحكمة والمنطق الإقصائي متطابقان.

تأميم المشترك الديني وغياب العلمانية الحقيقية

يرى نديم حذار أن جوهر الخلل يكمن في نظرة المعسكرين للدولة والدين على حد سواء، حيث يتفقان عملياً على تبعية الدين للدولة. فبينما يطالب الإسلاميون بتسخير الدولة لخدمة الدين وتوجهاتهم، يصر العلمانيون على إخضاع الدين بالكامل للرقابة الأمنية للدولة. وبذلك غابت العلمانية الليبرالية الحقيقية القائمة على الحياد، وحل محلها مشروع لتأميم الإيمان وجعله وظيفة حكومية مأجورة.

ويعد جهاز “رئاسة الشؤون الدينية“ (Diyanet) الأداة الأبرز لهذا التوافق المستتر. فالتيار العلماني يثمن دورها في السيطرة وتوجيه الخطاب الديني ومراقبته، بينما يفضلها الإسلاميون لأنها تضمن تمويل الأنشطة الدينية من الميزانية العامة للدولة. ويتطرق الكاتب إلى حادثة تحريف الخطباء لنص الآية القرآنية في خطبة الجمعة الموحدة على مستوى تركيا في الآونة الأخيرة كدليل إضافي على هذا الخلل البنيوي والتوظيف السياسي المباشر للمقدس.

ويصيغ حذار الرؤية الديمقراطية البديلة والمنضبطة في مبادئ واضحة تنص على:

  • عدم امتلاك السلطة السياسية حق تعيين قيادات الكيانات الدينية أو إلغاء وجودها الروحي والاجتماعي بقرارات فوقية.
  • التزام الدولة التام بحماية الحقوق الأساسية للأفراد داخل هذه التجمعات، لاسيما الأطفال والنساء والطلاب والمانحين من أي استغلال أو تجاوز.
  • وجوب تحقيق هذه الحماية من خلال الرقابة الإدارية والتفتيش الفني المستمر والشفاف، لا عبر الحملات الأمنية الفجائية ومصادرة الموجودات لتصفية الحسابات السياسية.

رمزية محمد عاكف أرصوي والترجمة الضائعة

يستذكر حذار السيرة التاريخية لشاعر الاستقلال التركي محمد عاكف أرصوي لتوضيح عمق الأزمة التاريخية بين الدين والدولة في تركيا. ففي عام ١٩٢٥، طلبت منه رئاسة الشؤون الدينية إعداد ترجمة وتفسير للقرآن الكريم، وقبل المهمة مغادراً إلى مصر لإنجازها. لكن مع فرض السلطات الأذان باللغة التركية بقوة القانون، تملكته مخاوف جدية من إجبار المصلين على قراءة الترجمة بدلاً من النص الأصلي في الصلاة بصيغة حكومية قسرية تؤمم العبادة. فما كان منه إلا أن ألغى الاتفاقية، وأعاد الأموال التي تقاضاها سلفاً رافضاً تسليم عمله.

وقبل عودته إلى إسطنبول مريضاً في يونيو عام ١٩٣٦، ترك مسودات الترجمة لدى المدرس الإحساني اليوزغاتي قائلاً له وصية مفادها أنه إن عاد فسيقومان بتنقيحها ونشرها، وإن وافته المنية فينبغي حرقها. وتوفي الشاعر في ديسمبر من نفس العام، ليتم تنفيذ وصيته وحرق المخطوطات الثمينة في القاهرة عام ١٩٦١. ويرى حذار في حرق هذه الترجمة دليلاً على عجز الشاعر عن ائتمان الدولة على منجزه الروحي، نظراً لأنه كان يرفض تأميم الدين وعلمنة اللاهوت في آن معاً، ليبقى إرثه معلقاً خارج حسابات التوظيف السياسي المتبادل ومحاولات الاحتواء من التيارات المختلفة.

المأزق الإيماني والأغلبية الصامتة الحائرة

يختتم الباحث التركي أطروحته مستدعياً قول الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور: “العالم المسيحي قضى على المسيحية”، تعبيراً عن تحول الدين الممأسس والمدعوم رسمياً من الدولة إلى مجرد بطاقة هوية شكلية خالية من البعد الأخلاقي والروحي الحقيقي. وهذا ما يتجلى في تركيا المعاصرة، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين بينما تتسع الفجوة يومياً بين الجمهور والخطاب الديني الرسمي الموجه من السلطة.

ويؤكد حذار أن المحك الحقيقي لصدق الإيمان يكمن في مدى قدرته على صيانة وحماية حقوق أولئك الذين يختلفون معه في المعتقد والسلوك. وبناءً على هذا الاختبار، يرى الباحث أن كلاً من السلطة الحاكمة وقسم واسع من المعارضة قد رسبا بامتياز؛ فالأولى حولت عقيدتها لضغينة أمنية، والثانية جعلت من ضغينتها عقيدة مقدسة.

ونتيجة لهذا الاستقطاب الصاخب، يبرز تراجع التدين بنسبة تسعة بالمائة (الانخفاض من 55% إلى 46% في استطلاع كوندا) ليمثل شريحة الأغلبية الصامتة الحزينة والمنعزلة في تركيا. وهم أولئك الذين يحتفظون بإيمانهم الوجداني لكنهم يشعرون بالخجل من التعبيرات والمظاهر السياسية التي تقدم باسم دينهم، دون أن يمتلكوا منبراً إعلامياً، أو حزباً يعبر عن صوتهم المفقود في هذا النزاع العنيف. ويحذر حذار من أنه إذا لم تؤسس العدالة على قاعدة صلبة وموضوعية تشمل حتى الخصوم والمخالفين، فإن سقوط هذا النظام قد يمهد الطريق لمرحلة انتقامية جديدة تتربع فيها الضغينة على عرش الإيمان مجدداً، لتعيد إنتاج ذات المعاناة التاريخية بوجوه وأقنعة جديدة.

قد يعجبك أيضًا

الرقابة الرقمية في تركيا والعالم على طاولة بحث الأمم المتحدة

الخوف الصامت في إسرائيل: ما الذي يهدد مستقبلها؟

انتقادات حادة من مدير (CIA) السابق لإدارة ترامب في ظل تصاعد الحرب مع إيران

«بعل» بين فضيحة إبستين وسجالات الرمزية الشيطانية

تحقيق جديد بحق إمام أوغلو وهذه المرة بشأن مزاعم تزوير شهادته

:وسومالتجربة الإسبانيةالتجربة الإيرانيةالثائر الفرنسي ماكسيميليان روبسبيرالدين ضد الدينالفضاء السياسي والاجتماعي التركيالفيلسوف الدنماركي سورين كيركغورالكاتب والباحث التركي نديم حذارالمعجم التركيالمفكر الإسلامي الإيراني علي شريعتيتأميم الدينرئاسة الشؤون الدينية التركيةشاعر الاستقلال التركي محمد عاكف أرصوي
مشاركة
فيسبوك تويتر Email Print
:المقال السابق تركيا تبدأ إجراءات ملاحقة بنيامين نتنياهو دولياً عبر “الإنتربول”
:المقال التالي تركيا: بيان رسمي يكذب “حقائب الأموال” في منزل زعيم جماعة الفرقان
تعليق

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تركيا: بيان رسمي يكذب “حقائب الأموال” في منزل زعيم جماعة الفرقان
كل الأخبار
تركيا تبدأ إجراءات ملاحقة بنيامين نتنياهو دولياً عبر “الإنتربول”
دولي
مساعٍ تركية سورية لتجنب الصدام العسكري مع إسرائيل
علاقات دبلوماسية
تحذير تركي قطري مصري: الهجمات الإسرائيلية تهدد هدنة غزة والوساطة الإقليمية
دولي
مبادرة بهتشلي لتعليق عضوية إسرائيل وإنشاء حلف قدس
دولي
تركيا: ثلاثة علماء وخدمة القرآن في مواجهة السلطة
تقارير
نتنياهو يهدد نفوذ تركيا في سوريا ويناور الأكراد
تقارير
من الوصاية العسكرية إلى الوصاية السياسية: انهيار الديمقراطية التركية
تقارير
موسكو ترهن إعادة بيع منظومة “إس-400” بتنازلات تركية في ملفات الغاز والنووي
اقتصاد
رسائل بالنار على حدود تركيا: القصف الإسرائيلي على قاعدة “أبو الظهور”
تقارير
about us

نحن نؤثر على 20 مليون مستخدم ونعتبر شبكة أخبار الأعمال والتكنولوجيا رقم واحد على هذا الكوكب.

2024 Turkiyetodays © جميع الحقوق محفوظة .
Welcome Back!

Sign in to your account

Username or Email Address
Password

Lost your password?