أعلنت وزارة العدل التركية بدء الخطوات الإجرائية الرسمية لمطالبة منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) بإصدار “نشرات حمراء” للقبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومتهم آخر، على خلفية اتهامات تتعلق بـ “الإبادة الجماعية” إثر اعتراض إسرائيل لـ “أسطول الصمود العالمي” الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة.
وأوضح وزير العدل التركي، أكين غورليك، أن الوزارة خاطبت وزارة الداخلية رسمياً لتفعيل هذا الطلب لدى الإنتربول، بناءً على مذكرات اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الكبرى الحادية عشرة في إسطنبول في الرابع عشر من يوليو/تموز الماضي. كما أُرسلت الوثائق ذات الصلة إلى وزارة الخارجية لاستكمال الشق الدبلوماسي.
ويستهدف الطلب التركي إلى جانب نتنياهو متهماً ثانياً يُدعى “أفيك موسكوفيتش”، وهو واحد من بين خمسة وثلاثين متهماً تشملهم لائحة الاتهام التركية، غير أن الوثائق القضائية المتاحة لم تحدد رتبته أو صفته الرسمية بدقة.
ما هي “النشرة الحمراء” وهل تعني الاعتقال التلقائي؟
تُعرف “النشرة الحمراء“ قانونياً بأنها طلب يوجهه الإنتربول إلى الأجهزة الأمنية حول العالم لتحديد مكان شخص واحتجازه مؤقتاً تمهيداً لتسليمه أو اتخاذ إجراء قانوني مماثل.
ومع ذلك، فإن مجرد تقديم تركيا للطلب لا يعني صدور النشرة تلقائياً؛ إذ يتعين على المنظمة الدولية مراجعة الطلب للتأكد من مواءمته للقواعد واللوائح الداخلية لدستور الإنتربول. كما أن النشرة لا تشكل مذكرة اعتقال دولية ملزمة، حيث يظل لكل دولة عضو في المنظمة الحق المطلق في تحديد الأثر القانوني الذي تمنحه للنشرة داخل أراضيها.
“أسطول الصمود”: ماذا حدث في المياه الدولية؟
تعود جذور هذه الملاحقة القضائية إلى أكتوبر/تشرين الأول من عام 2025، عندما اعترضت قوات الأمن الإسرائيلية سفن “أسطول الصمود العالمي“ (Global Sumud Flotilla).
وكان الأسطول قد انطلق في الرابع عشر من سبتمبر/أيلول 2025 بمشاركة نحو خمسين سفينة وأكثر من خمسمائة ناشط من دول عدة -من بينها تركيا- في محاولة لكسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة وإيصال مساعدات طبية وإنسانية. ويُعرّف الأسطول نفسه بأنه تجمع مستقل لا يتبع لأي حكومة أو حزب سياسي.
الرواية التركية: يقول الادعاء العام التركي إن القوات الإسرائيلية اعترضت السفن في المياه الدولية دون غطاء قانوني، وأجبرتها على التوقف، قبل أن تحتجز المدنيين الذين كانوا على متنها وتعتدي عليهم جسدياً. وبناءً على احتجاز مواطنين أتراك، فتحت النيابة العامة في إسطنبول تحقيقاً عاجلاً في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2025.
الموقف الإسرائيلي: في المقابل، تدفع إسرائيل بأن اعتراض السفن لا ينتهك القانون الدولي، معتبرة أن حصارها البحري لقطاع غزة تفرضه ضرورات ودواعٍ أمنية. كما ترفض تل أبيب اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة لعملياتها في غزة، مؤكدة أن حملتها العسكرية تستهدف حركة حماس وتتخذ تدابير لتقليل الخسائر بين المدنيين.
اتهامات ثقيلة وقائمة ملاحقة تشمل كبار المسؤولين
تجري محاكمة المتهمين غيابياً أمام المحكمة الجنائية الكبرى في إسطنبول. ويوجه الادعاء العام التركي لنتنياهو وبقية المتهمين قائمة من الاتهامات تشمل:
- الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
- حرمان الأشخاص من الحرية بشكل غير قانوني والتعذيب.
- الإصابة العمدية وإلحاق الضرر بالممتلكات والسرقة الموصوفة.
- عرقلة وسائل النقل والسيطرة عليها.
وكان القضاء التركي قد أصدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مذكرات توقيف طالت ستة وثلاثين مسؤولاً إسرائيلياً بعد توسيع نطاق التحقيق. ومن بين الأسماء البارزة في القائمة:
- وزير الدفاع إسرائيل كاتس.
- وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
- رئيس أركان الجيش السابق هرتسي هاليفي.
- قائد القوات البحرية السابق ديفيد ساعر سلامة.
خلفية تاريخية: من “مافي مرمرة” إلى “أسطول الصمود“
لا تعد هذه القضية سابقة فريدة في مسار العلاقات التركية الإسرائيلية؛ إذ تعيد للأذهان حادثة سفينة “مافي مرمرة“ عام 2010، عندما داهمت قوات كوماندوز إسرائيلية السفينة في المياه الدولية مما أسفر عن مقتل عشرة ناشطين، وانتهت حينها بصدور لوائح اتهام تركية بحق أربعة قادة عسكريين إسرائيليين سابقين.
لكن تلك القضية طُويت لاحقاً بعد اتفاق لتطبيع العلاقات جرى توقيعه في يونيو/حزيران 2016، حوّلت إسرائيل بموجبه عشرين مليون دولار إلى حساب حكومي تركي لتوزيعه على عائلات الضحايا، مقابل تشريع تركي يمنع أي ملاحقات قضائية جنائية أو مدنية ضد الجنود الإسرائيليين. وبناءً على ذلك، أسقطت محكمة في إسطنبول قضية “مافي مرمرة” في ديسمبر/كانون الأول 2016 وألغت مذكرات الاعتقال، وسط احتجاجات غاضبة من عائلات الضحايا ومحاميهم.
أما في المسار الحالي، فيبدو الخطاب التركي أكثر حدة؛ حيث أكد وزير العدل أكين غورليك في بيان نشره على منصة (إكس) أن بلاده “لن تسمح بالتستر على الجرائم المرتكبة في غزة أو حماية المسؤولين عنها بدرع من الحصانة”، مشدداً على عزم أنقرة استخدام كافة الوسائل المتاحة بموجب القانونين الوطني والدولي.

