تحت وطأة التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها تركيا المعاصرة، تبرز إشكالية العلاقة بين المؤسسات الدينية المستقلة وسلطة الدولة، وهي علاقة اتسمت تاريخياً بالشد والجذب بين الرغبة في التحرر المعرفي والنزوع نحو السيطرة السياسية.
يعيد المشهد الحالي تسليط الضوء على إرث ثلاث قامات فكرية ودينية تركت بصمة لا تُمحى في وجدان المجتمع التركي: الشيخ الراحل سليمان حلمي تطوناخان، والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، والأستاذ فتح الله كولن. هؤلاء العلماء، رغم تباين مشاربهم ومنطلقاتهم، اجتمعوا على هدف أسمى وهو خدمة القرآن وبناء الإنسان، مما وضعهم في مواجهة مباشرة مع الأيديولوجيات السلطوية المتعاقبة، وصولاً إلى ما يُعرف اليوم بـ “الأردوغانجية”.
الجذور التاريخية والنضال العلمي: سليمان حلمي طوناخان نموذجاً
يمثل الشيخ سليمان حلمي طوناخان (١٨٨٨-١٩٥٩) جسراً بين عبق العصر العثماني وتحديات الجمهورية الناشئة. ولد في قرية “فرهاتلار” بسيليسترا، وتلقى تعليماً عاليا في مدارس الفاتح، حيث برع في التفسير والحديث والقانون. لم تكن مسيرة الشيخ طوناخان مجرد رحلة علمية أكاديمية، بل كانت معركة وجودية للحفاظ على الهوية الإسلامية في زمن كانت فيه الضغوط السياسية تسعى لتجفيف منابع التعليم الديني.
تميز منهج طوناخان بالتركيز الميداني على تعليم القرآن الكريم ونشر الكتاتيب، حتى في أحلك الظروف الأمنية، محولاً التعليم إلى فعل مقاومة صامت. لقد أدرك بوضوح أن بقاء الأمة مرهون بارتباط أجيالها بالنص القرآني، وهو ما تُرجم لاحقاً إلى شبكة واسعة من دور القرآن التي انتشرت في الأناضول وخارجها، محققة نجاحاً باهراً في الحفاظ على اللغة الروحية للمجتمع.
تكامل الأدوار: لقاء الأرواح بين النورسي وطوناخان
رغم أن الأستاذ سعيد النورسي والشيخ سليمان طوناخان عاشا في الحقبة ذاتها، إلا أن لكل منهما ثغراً سده ببراعة؛ فبينما ركز النورسي في رسائل النور على الدفاع عن حقائق الإيمان بالأدلة العقلية والمنطقية لمواجهة المادية الصاعدة، تفرغ طوناخان لجانب التعليم والتربية القرآنية المباشرة.
تشير المصادر التاريخية وشهادات التلاميذ إلى وجود احترام عميق ومتبادل بين القطبين؛ فقد نُقل عن النورسي قوله إنه يشرك طوناخان وطلابه في ثواب أوراده اليومية، معتبراً إياه من العلماء الذين رفعوا شرف الدين عالياً ولم ينساقوا وراء موائد السلاطين. وفي المقابل، كان طوناخان يرى في النورسي شخصية فريدة نالت مقاماً رفيعاً في خدمة الدين بإلهام رباني، محذراً طلابه من أي شقاق مع طلاب النور، ومعتبراً أن المهمات تتكامل ولا تتصادم.
المؤسساتية والامتداد: رؤية كولن في سياق الخدمة
جاءت مدرسة حركة “الخدمة” لتبني على هذه الأسس، حيث أبدى الأستاذ فتح الله كولن تقديراً استثنائياً للشيخ طوناخان، واصفاً إياه بأنه رجل حركة ومجاهد لا يعرف الكلل. يكمن الرابط الجوهري بين هذه المدارس في جعل “بناء الإنسان” هو المركز، بعيداً عن صراعات السلطة المباشرة. ومع ذلك، طورت مدرسة الخدمة هذا الإرث من خلال التوسع في المؤسسات التعليمية الحديثة والمدارس والإعلام على نطاق دولي، مما خلق أرضية مشتركة مع مدرسة طوناخان في حماية الوعي الديني للأجيال الجديدة.
“الأردوغانجية” ومعضلة استتباع الدين للسلطة
تتجلى الإشكالية الكبرى في العصر الحالي من خلال محاولة النظام السياسي (الذي يصفه البعض بالأردوغانجية أو الإسلام السياسي النفعي) تحويل الدين إلى مجرد “أداة” أو “ملحق” بمؤسسات الدولة لخدمة أجندات حزبية. تكمن خطورة هذا التوجه في أنه يسعى لاحتواء الحركات الدينية المستقلة التي تستمد شرعيتها من قيمها المعرفية والأخلاقية لا من التبعية السياسية.
تطالب السلطة الحالية هذه الجماعات بـ”البيعة المطلقة” والولاء التام، وهو ما رفضته هذه المدارس تاريخياً وحاضراً؛ لأن ولاء العالم والمربي يكون للحقيقة والقرآن والضمير، وليس لتقلبات السياسة. هذا التباين خلق توتراً حاداً، حيث ترى السلطة في أي كيان ديني مستقل “منافساً” يجب إخضاعه أو “تهديداً” يجب تفكيكه.
التحليل السياقي: مآلات الهيمنة السياسية على الفضاء الديني
إن ما تعرض له طلاب سعيد النورسي سابقاً، وما يواجهه طلاب كولن حالياً، وما بدأ يطال طلاب الشيخ طوناخان اليوم، يشير إلى استراتيجية ثابتة لدى السلطة تهدف إلى:
- السيطرة الكلية: لا تقبل السلطة بوجود فضاءات اجتماعية أو تعليمية خارج نطاق رقابتها المباشرة.
- تسييس المقدس: محاولة قراءة الدين من خلال ميزان القوة والحزب، وليس من خلال ميزان الإيمان والأخلاق.
- تفكيك الجماعات: استخدام سياسة “فرق تسد” لضرب المكونات الدينية ببعضها البعض، مما يسهل استتباعها للقرار السياسي.
استشراف المستقبل: خلود الفكرة وزوال السلطان
تؤكد القراءة الموضوعية للتاريخ أن السلطات السياسية بطبيعتها متغيرة وعابرة، بينما تظل القيم التي غرسها هؤلاء العلماء —من إيمان راسخ وتعليم قرآني ووعي أخلاقي— حية في وجدان الناس. إن التحدي الراهن لا يكمن في اختيار طرف سياسي، بل في الحفاظ على استقلالية الدين عن التوظيف السياسي الفج.
ختاماً، إن تجربة هؤلاء العلماء الثلاثة تضع المجتمع أمام سؤال جوهري: هل سيظل الدين والضمير هما المعيار الأخلاقي الذي يراقب السلطة ويوجهها؟ أم سيصبح الدين مجرد غطاء يبرر ممارسات الحكام؟ إن الإجابة تكمن في صمود هذه المدارس وإصرارها على مسارها التربوي المستقل، رغم كل محاولات التضييق والإقصاء.

