في خطوة دبلوماسية منسقة، أصدرت دولة قطر والجمهورية التركية وجمهورية مصر العربية بياناً مشتركاً من العاصمة القطرية الدوحة. وعبرت الدول الثلاث، بصفتها الجهات الوسيطة الراعية للمفاوضات، عن إدانتها الشديدة للموجة الأخيرة من الغارات الجوية الإسرائيلية على قطاع غزة.
وحذرت العواصم الثلاث من أن هذه الاستهدافات العسكرية لا تقوض فقط الجهود الإقليمية والدولية الرامية لتطبيق خطة السلام المدعومة من الولايات المتحدة، بل تنذر بتفجير الوضع الإقليمي وجره نحو تصعيد أوسع نطاقاً.
وأشارت إلى أن هذا التصعيد يأتي في مرحلة مفصلية وحرجة للغاية من مسار التفاوض حول تطبيق خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة.
التصعيد الميداني الفوري ونزيف الدماء المستمر
ميدانياً، حصدت الآلة العسكرية الإسرائيلية أرواح ما لا يقل عن ستة عشر فلسطينياً في القطاع، وفقاً لبيانات صادرة عن مسؤولين طبيين، في حين تصر تل أبيب على أن غاراتها تستهدف تحركات عناصر حركة حماس.
وفي هذا السياق، أعرب الوسطاء الثلاثة عن قلقهم البالغ إزاء هذه الانتهاكات المتواصلة لوقف إطلاق النار، والتي تسفر بشكل مستمر عن مقتل مدنيين عزل، من بينهم نساء وأطفال.
وحث البيان المشترك إسرائيل على الامتثال الكامل لالتزاماتها بموجب اتفاق الهدنة، والكف عن أي سلوك عسكري أو سياسي من شأنه تقويض جهود التهدئة أو زيادة منسوب الاحتقان في المنطقة.
خلفية الصراع: فاتورة بشرية غير مسبوقة
لتوضيح الأثر المتراكم للعمليات العسكرية، تكشف الإحصاءات الصحية الصادرة من قطاع غزة عن حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ قُتل ما لا يقل عن ألف ومائتين وثلاثة وثمانين فلسطينياً وأصيب أربعة آلاف ومائتان وثمانية وأربعون آخرون منذ سريان وقف إطلاق النار الأخير في تشرين الأول/أكتوبر من عام ٢٠٢٥. وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل أربعة من جنوده خلال الفترة نفسها.
أما على المدى الأوسع، فإن المشهد الإنساني يبدو أكثر قتامة؛ حيث ارتفعت الحصيلة الإجمالية للضحايا الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر من عام ٢٠٢٣ لتصل إلى ثلاثة وسبعين ألفاً وأربعمائة وسبعة عشر قتيلاً، وتجاوز عدد الجرحى حاجز مائة وأربعة وسبعين ألف مصاب.
وتعود جذور هذه الحرب إلى الهجوم المفاجئ الذي قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل في تشرين الأول ٢٠٢٣، والذي أدى إلى مقتل قرابة ألف ومائتي شخص واحتجاز مائتين وواحد وخمسين رهينة، مما فجر حملة عسكرية إسرائيلية مدمرة أسفرت عن نزوح غالبية سكان القطاع وتدمير بنيته التحتية بشكل شبه كامل.
عقدة “التسلسل الزمني” وراء الجمود الدبلوماسي
جاء البيان التحذيري للوسطاء عقب إنهاء المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر جولة مكوكية في المنطقة دون تحقيق أي تقدم ملموس يدفع بالخطة نحو مرحلتها التالية. وتصطدم المساعي الدبلوماسية بجدار صلب يتعلق بالخلاف حول ترتيب أولويات التنفيذ والتسلسل الزمني لبنود الاتفاق.
وخلال لقاءاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تركزت المباحثات على إيجاد مخرج لثلاث مسائل جوهرية: نزع سلاح حركة حماس، الانسحاب العسكري الإسرائيلي، والجدول الزمني لتطبيق هذه الخطوات بالتتابع.
وتطرح خارطة الطريق المقترحة صيغة تقضي بأن تقوم حركة حماس بتسليم سلاحها تدريجياً وعلى مراحل، بالتزامن مع تراجع القوات الإسرائيلية وإنهاء العمليات العسكرية بشكل كامل. ومع ذلك، يرفض نتنياهو هذا الترابط الزمني بشكل قاطع، مصراً على ضرورة تجريد حركة حماس من سلاحها بالكامل كشرط مسبق وقبل المباشرة بأي انسحاب إسرائيلي أو إطلاق عمليات إعادة الإعمار.
على الجانب الآخر، تتمسك حركة حماس بمطالبة إسرائيل باحترام وقف إطلاق النار وسحب قواتها فوراً من القطاع، وتبدي اعتراضاً موازياً على الترتيب الزمني المقترح لخطوات التسليم والتراجع. هذا الاستعصاء المتبادل تسبب في شلل تام للمفاوضات، حاصرها في المرحلة الأولى من الاتفاق وعطل الانتقال إلى مستويات متقدمة، على الرغم من جولات الحوار المستمرة برعاية تركية ومصرية وقطرية.
الأطر الدولية والآليات المقترحة للحل
لمواجهة هذا الانسداد الدبلوماسي، دعا الوسطاء الإقليميون المجتمع الدولي و”مجلس السلام” الذي استحدثته خطة ترامب للإشراف على تنفيذ الاتفاق، إلى ممارسة ضغوط فعالة على الحكومة الإسرائيلية لإجبارها على الالتزام ببنود التهدئة والحيلولة دون اتساع رقعة الصراع.
ويمثل هذا المجلس ذراعاً تنظيمياً دولياً يحظى بشرعية أممية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٢٨٠٣ الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر من عام ٢٠٢٥. ولم يقتصر القرار على دعم المجلس فحسب، بل رخص أيضاً تشكيل قوة أمنية دولية لحفظ الأمن في قطاع غزة، ووضع ملامح واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية وبدء أعمال إعادة الإعمار الشاملة في القطاع.
الفجوة البنيوية بين السياسة والميدان
يظهر التحليل الممعن في نصوص الأزمة أن العقبة الأساسية لا تكمن في غياب الأطر النظرية للحل، بل في التناقض الصارخ بين الحسابات الأمنية الميدانية والتصورات السياسية الدولية. فبينما تحاول الدبلوماسية الأمريكية عبر مبعوثيها فرض صيغة تسلسلية تعتمد على التدرج وبناء الثقة، يواجه هذا المسار برفض إسرائيلي يرى في الانسحاب قبل نزع السلاح الكامل تهديداً أمنياً وجودياً، يقابله توجس موازٍ من حركة حماس حيال فقدان أوراق القوة قبل نيل ضمانات الانسحاب الشامل.
هذا التعارض البنيوي يجعل من العمليات العسكرية الموضعية أداة لتقويض الهدنة الهشة أصلاً، ويضع جهود الوساطة الإقليمية في دوامة مفرغة من إدارة الأزمة الميدانية بدلاً من حلها الجذري.

