بقلم: سليم نيازي أوغلو
تكتسب القراءة التشريحية للمشهد التركي الراهن أبعاداً وجودية تتجاوز منطق الصراع السياسي التقليدي، لتكشف عما يمكن تسميته “عقيدة الاستيلاء” التي باتت المحرك الأساسي للنظام الحاكم في مواجهة الأصالة الأناضولية.
إن ما نشهده اليوم من استهداف ممنهج لجماعة “السليمانيين” ليس مجرد إجراء قانوني عابر، بل هو انعطافة تاريخية تعلن دخول النظام مرحلة “الارتطام بجدار المسجد” بعد أن استنفد كافة خصومه السياسيين وبدأ في تصفية شعيرات المجتمع الحيوية.
“جمهورية الاستيلاء”: من البناء إلى السطو
إن الفلسفة التي تحكم تحركات السلطة الحالية، وخاصة تيار الإسلام السياسي المنحدر من تقاليد “الرؤية الوطنية”، تعاني من عقم تاريخي في القدرة على التأسيس والإنشاء. وبدلاً من بناء مؤسسات تعبر عن قيمها، تبنت السلطة نموذج الاستيلاء والمصادرة؛ حيث يتم وضع اليد على كيانات سياسية أو مدنية شيدها الشعب عبر عقود. أبرز مثال على ذلك نقل البلديات المعارضة، معظمها كردية، إلى أوصياء الحكومة، ونقل المؤسسات التعليمية والاقتصادية والخيرية لحركة الخدمة إلى مؤسسات يقودها بلال أردوغان.
لقد بدأ هذا النمط بوضوح عام ٢٠١٢ مع تأسيس كيانات موازية مثل “توجفا” و”تورغين” التابعة لنجل أردوغان، والتي لم تكن سوى أوعية جاهزة لاستقبال الأصول “المنهوبة” من مؤسسات المجتمع المدني. واليوم، يتكرر السيناريو مع “السليمانيين” الذين يمتلكون شبكة ضخمة من ثلاثة آلاف دار لسكن الطلاب وتحفيظ القرآن؛ حيث تسعى السلطة لتحويل هذه المحاضن التربوية إلى أذرع أيديولوجية تابعة لمركز السلطة.
استراتيجية “الكتالوج” الأمني وتزييف الوعي
لا يبتكر النظام أساليب جديدة، بل يعيد تدوير “كتالوج” عمليات ٢٠١٤، معتمداً على حيلة نفسية خبيثة تقسم الجماعة المستهدفة إلى ثلاثة مستويات: “قاعدة للعبادة، ووسط للتجارة، وقمة للخيانة. هذا التقسيم يهدف إلى تخدير القاعدة الشعبية وإقناعها بأن الاستهداف يطال القيادة فقط، بينما الحقيقة هي أن العملية تهدف لقطع “الأوعية الدموية” التي تربط المجتمع بهويته التقليدية.
ويلعب “أطباء التزييف” دوراً محورياً في توحيد الخطاب الإعلامي، حيث يتم تصوير الصراع كأنه مع “عصابة” معينة وليس مع تراث ديني أصيل. ومن هنا، يتم توظيف قضايا ثانوية مثل “العثور على الذهب” في مواقع رجال أعمال الجماعة العاملين في هذا القطاع، لصرف الأنظار عن الجريمة الكبرى، وهي تجريف الحراك الاجتماعي ومنع الفقراء أو “الأتراك السود” من الترقي الطبقي عبر التعليم المستقل الذي تقدمه لهم مؤسسات الجماعة والكيانات المشابهة.
صراع الأصول: “الغرباء” في مواجهة الأناضول
في العمق، يبدو الصراع في تركيا كأنه معركة بين روح الأرض وبين أيديولوجيات “دخيلة”. فالتيارات الإسلامية الأصيلة النابعة من روح الأناضول السمحة باتت تئنّ تحت مطارق التيار الكمالي العلماني المتطرف الذي هو نتاج نخب بلقانية فرضت حداثة قسرية في تركيا، ونظام أردوغان الذي يتاجر بما يسمى “الإسلام السياسي“ الراديكالي المستورد من مختلف العالم العربي والإسلامي، الغريب عن مفهوم التدين الأناضولي الهادئ المعتدل.
هذان القطبان “الغريبان” (الكماليون والإسلاميون) تحالفا اليوم لإبادة الحركات المحلية الأصيلة (مثل السليمانيين وحركة الخدمة النابعة من حركة العلامة بديع الزمان سعيد النورسي) التي ترفض التبعية المطلقة للسلطة أو الانخراط في “قذارات السياسة”. إن استهداف جماعة منزوية تركز على تعليم القرآن بعيدا عن أي نشاط سياسي يعني فقدان نظام أردوغان لآخر معاقله الأخلاقية، وتحوله إلى أداة بيد القوميين العلمانيين المتطرفين (تنظيم أرغنيكون الإرهابي / الدولة العميقة) الذين يستغلون حاجة السلطة للبقاء لتصفية الحسابات التاريخية مع الإسلام.
البعد الدولي و”معركة ألمانيا”
لم تكن الحملة لتصل إلى هذا السعار لولا البعد الاستخباراتي المرتبط بالنفوذ في أوروبا، وتحديداً ألمانيا. لقد حولت السلطة “رئاسة الشؤون الدينية” (Diyanet) في الخارج إلى ذراع لمراقبة المعارضين، وعندما برز السليمانيون كخيار ديني مقبول بعيداً عن أجندات أنقرة الراديكالية، شعر نظام أردوغان والكماليون بتهديد حقيقي لفقدان سيطرتهم على “الكتلة التركية” في الخارج. هذا التدويل دفع الجماعة لنقل ثقلها الإداري إلى ألمانيا، هرباً من ضغوط النظام الاستبدادي الذي يشرعن القمع عبر “وعاظ السلاطين” الذين يبررون الاستيلاء على ممتلكات المسلمين بمنطق نفعي ضيق.
سكرات النهاية السياسية
إن لجوء نظام أردوغان الهجين لأساليب “التصفيات الغامضة” وحوادث الشاحنات المريبة التي تعرض لها زعيم جماعة “أرين كوي”، يؤكد أننا أمام نظام يعيش حالة من “التخبط القاتل”. إن استهداف جماعة السليمانيين التي تعتبر “الشعيرات الدموية” للمجتمع في القرى والأرياف هو بمثابة انتحار سياسي؛ فالصدع الذي أحدثته السلطة مع القواعد المتدينة لا يمكن ترميمه.
لقد خرج “المعجون من الأنبوب”، ودعوات البسطاء الذين كرسوا حياتهم لخدمة القرآن ستكون هي الفتيل الذي ينهي عهد الاستبداد. إن التاريخ يخبرنا أن الأنظمة التي تصطدم بالقيم والأعراف الأصيلة لشعوبها توقع وثيقة نهايتها بيدها، وما نراه اليوم ليس قوة، بل هي حركات التمساح في سكرات الموت.

