أظهرت بيانات الإنفاق الرسمية في تركيا أن تكلفة تأمين الحماية الأمنية للرئيس رجب طيب أردوغان وأفراد أسرته والمنشآت الرئاسية بلغت 1.983 مليار ليرة تركية، أي ما يعادل نحو 41.8 مليون دولار، خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني حتى نهاية يونيو/حزيران 2026.
وتشمل هذه النفقات جميع العمليات التي تنفذها دائرة الحماية الرئاسية التابعة للمديرية العامة للأمن، وهي الوحدة المكلفة بتأمين الرئيس وأفراد عائلته، إضافة إلى حماية المقار الرئاسية ومقار العمل والمركبات والمنشآت والمرافق التي يستخدمها رئيس الجمهورية في مهامه الرسمية.
ويعكس هذا الرقم استمرار الارتفاع في مخصصات الحماية الرئاسية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وضغوطًا متواصلة على مستويات المعيشة.
إنفاق يفوق إدارات أمنية رئيسية
وبحسب البيانات الرسمية، تجاوزت ميزانية دائرة الحماية الرئاسية خلال الأشهر الستة الأولى من العام حجم الإنفاق الذي سجلته إدارات أمنية تعد من أكثر أجهزة الشرطة حساسية وأهمية.
ومن بين هذه الإدارات، أجهزة الاستخبارات، ومكافحة الإرهاب، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، وإدارة مكافحة المخدرات، إضافة إلى إدارة مكافحة التهريب والجريمة المنظمة.
ويعكس هذا الفارق حجم الموارد التي تخصصها الدولة للمنظومة الأمنية المرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية مقارنة ببعض الوحدات الشرطية المتخصصة.
منحنى تصاعدي في الإنفاق خلال السنوات الأخيرة
تكشف الأرقام الرسمية عن نمو متواصل في الإنفاق المخصص للحماية الرئاسية خلال الأعوام الماضية، وإن كانت هذه البيانات تعبر عن القيم الاسمية ولا تأخذ في الاعتبار تأثير معدلات التضخم المرتفعة التي شهدتها تركيا.
فقد بلغت النفقات 263.1 مليون ليرة عام 2020، قبل أن ترتفع إلى 306 ملايين ليرة في عام 2021.
وفي عام 2022 وصلت إلى 526.1 مليون ليرة، ثم تضاعفت تقريبًا إلى 1.077 مليار ليرة في عام 2023.
واستمر المنحنى التصاعدي خلال عام 2024، حيث بلغت النفقات 2.291 مليار ليرة، قبل أن ترتفع إلى 2.932 مليار ليرة خلال عام 2025.
وتشير البيانات إلى أن الإنفاق المسجل خلال النصف الأول من عام 2026 وحده يعادل أكثر من ثلثي إجمالي ما أنفقته الدائرة طوال عام 2025، ما يعكس استمرار الاتجاه التصاعدي في مخصصات الحماية.
مقارنة مع أوضاع المتقاعدين
وتبرز الأرقام حجم الإنفاق عند مقارنتها بالإنفاق الاجتماعي، إذ تعادل قيمة المبلغ المخصص للحماية خلال ستة أشهر تقريبًا ما يكفي لتغطية معاش شهر واحد لنحو 84 ألف متقاعد يتقاضون الحد الأدنى للمعاشات في تركيا.
وتُستخدم هذه المقارنة في النقاشات العامة لتوضيح حجم الموارد المالية التي تُخصص لأغراض الحماية الرئاسية مقارنة ببعض بنود الإنفاق الاجتماعي.
مواكب أردوغان الأمنية تظل محل اهتمام الرأي العام
لطالما أثارت الترتيبات الأمنية الخاصة بالرئيس أردوغان اهتمامًا واسعًا داخل تركيا، خاصة خلال الزيارات الرسمية والجولات الميدانية.
وتتميز هذه الترتيبات عادة بمواكب أمنية كبيرة تضم عشرات المركبات، وفي بعض الأحيان ترافقها مروحيات أمنية، الأمر الذي يؤدي إلى إغلاق طرق رئيسية وتعطيل حركة المرور مؤقتًا في المدن التي يزورها الرئيس.
وتؤكد الجهات الرسمية أن هذه الإجراءات تأتي في إطار التدابير الأمنية المطبقة لحماية رئيس الجمهورية، بينما يعتبرها منتقدون أحد مظاهر اتساع الإنفاق الحكومي على المؤسسات الرئاسية.
الإنفاق يتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية
يأتي الإعلان عن هذه الأرقام في وقت لا تزال فيه تركيا تواجه تداعيات أزمة غلاء المعيشة التي بدأت تتفاقم خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الارتفاع الكبير في معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر.
وكان معدل التضخم السنوي الرسمي قد بلغ ذروته في أكتوبر/تشرين الأول 2022 عند 85.5%، قبل أن يبدأ بالتراجع تدريجيًا، لكنه ظل عند مستويات مرتفعة مقارنة بالمعايير التاريخية.
ووفق أحدث البيانات الرسمية، انخفض معدل التضخم السنوي إلى 32.11% في يونيو/حزيران 2026، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات الأساسية.
فقد سجلت أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى زيادة سنوية بلغت 45.14%، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 35.45% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
سياق اقتصادي يفرض تحديات على الموازنة
تأتي الزيادة في الإنفاق الأمني في مرحلة تسعى فيها الحكومة التركية إلى تحقيق توازن بين مواصلة الإنفاق على المؤسسات السيادية والأمنية وبين احتواء الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتؤكد الحكومة في مناسبات مختلفة أن حماية رئيس الجمهورية والمنشآت السيادية تمثل جزءًا من متطلبات الأمن الوطني، وأن الإجراءات الأمنية تخضع لتقييمات المؤسسات المختصة وفق مستوى المخاطر والاحتياجات الأمنية.
في المقابل، يرى منتقدون أن استمرار ارتفاع هذه النفقات، بالتزامن مع الضغوط التي تواجهها الأسر التركية وارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء، يعزز الجدل حول أولويات الإنفاق العام، ويعيد طرح تساؤلات بشأن توزيع الموارد في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.

