تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً في طبيعة المواجهة العسكرية، حيث لم يعد الصراع محصوراً في زوايا جغرافية ضيقة، بل تمدد ليشمل رقعة واسعة تمتد من بحر قزوين شمالاً وصولاً إلى اليمن وباب المندب جنوباً، ومن الخليج العربي شرقاً إلى السواحل المصرية على البحر المتوسط غرباً.
وفي هذا السياق، يقدم المحلل السياسي التركي، البروفيسور سدات لاتشينر، قراءة معمقة للأحداث الجارية، محذراً من مخططات تهدف إلى جر القوى العربية الكبرى، وعلى رأسها مصر والسعودية، إلى أتون مواجهة مباشرة وشاملة مع إيران، وذلك في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب.
التصعيد في المتوسط.. دلالات استهداف ميناء دمياط
يشير البروفيسور سدات لاتشينر إلى أن وصول شرارة الحرب إلى السواحل المصرية يمثل منعطفاً خطيراً، خاصة بعد الهجوم الذي استهدف ناقلتي غاز طبيعي في ميناء دمياط، إحداهما ترفع العلم الأمريكي. ورغم عدم تبني أي جهة للهجوم، إلا أن لاتشينر يسلط الضوء على فرضية “الراية الزائفة” التي طرحتها طهران؛ حيث يرى أن تنفيذ هجوم دقيق بالمسيرات في عمق المتوسط يتطلب جهداً استخباراتياً ومعلوماتياً لحظياً قد لا يتوفر للميليشيات، مما يعزز احتمالية وقوف إسرائيل خلف العملية لإظهارها كتهديد إيراني يمس الأمن القومي المصري. ويؤكد لاتشينر أن إقحام مصر، بثقلها السكاني الذي يتجاوز مئة وعشرين مليون نسمة وجيشها القوي، سيؤدي حتماً إلى قلب موازين القوى في المنطقة.
استراتيجية الاستدراج.. نحو صراع مذهبي وإقليمي شامل
حلل البروفيسور لاتشينر المساعي الرامية لتحويل الصراع في الخليج إلى “حرب عربية-فارسية” أو مواجهة سنية-شيعية شاملة تهدف إلى تخفيف العبء العسكري عن كاهل إسرائيل والولايات المتحدة. ويذهب في تحليله إلى أن الهدف الاستراتيجي يكمن في دفع السعودية ومصر، وربما باكستان، لتشكيل كتلة عسكرية موحدة في مواجهة إيران، وهو ما وصفه بـ”مشهد الجحيم” الذي سيؤدي إلى اشتعال حقول النفط في المنطقة برمتها وتدمير الاقتصاد العالمي.
خنق الممرات المائية.. التهديد الوجودي للاقتصادات الإقليمية
يعتبر لاتشينر أن السيطرة على المضايق المائية باتت السلاح الأكثر فتكاً في هذا الصراع؛ فبعد إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة في باب المندب، باتت قناة السويس الهدف القادم. ويوضح البروفيسور أن إغلاق القناة يمثل “خنقاً” مباشراً للدولة المصرية التي تعتمد عليها كمورد أساسي للدخل، كما يمثل تهديداً وجودياً للسعودية التي تضطر لنقل نفطها عبر البحر الأحمر نحو أوروبا بعد تعذر المرور من هرمز. وفي استجابة لهذا التهديد، بدأت الرياض تحركات لتشكيل تحالف بحري دولي يضم نحو خمسين دولة، من بينها تركيا ومصر وباكستان ونيجيريا، لحماية حركة السفن في البحر الأحمر.
تآكل القدرات الدفاعية الأمريكية وثقة طهران المتزايدة
يكشف البروفيسور سدات لاتشينر عن أزمة لوجستية حادة تواجهها الولايات المتحدة، حيث استنفد البنتاغون ثلثي مخزونه من صواريخ “باتريوت” خلال خمسة أشهر فقط من الصراع، إذ لم يتبقَّ في مخازنها سوى سبعمئة وتسعة وخمسين صاروخاً من أصل ألفين وثلاثمئة وثلاثين. هذا النقص يضع المنشآت العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في حالة انكشاف دفاعي مستقبلي. وفي المقابل، يلاحظ لاتشينر طفرة في الثقة بالنفس لدى طهران، التي ترفض التهدئة وتواصل تصعيد عملياتها، معتبرة التراجع التكتيكي الأمريكي علامة ضعف، مدفوعة بديناميكيات داخلية يقودها الجناح المتشدد في النظام.
التبعات الاقتصادية.. فواتير الحرب الباهظة
لم تقتصر آثار الصراع على الجانب العسكري، بل امتدت لتضرب العمق الاقتصادي للقوى الكبرى؛ حيث يشير لاتشينر إلى تباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي ليصل إلى واحد ونصف بالمئة فقط في الربع الثاني، مع وصول فوائد الاقتراض الحكومي إلى أرقام قياسية لم تشهدها واشنطن منذ تسعة عشر عاماً. أما الاقتصاد السعودي، فقد سجل انكماشاً بنسبة خمسة بالمئة مع تراجع نشاط القطاع النفطي بنسبة خمسة وعشرين بالمئة، مما يثبت أن الهجمات بالمسيرات والصواريخ تعمل كـ “صواريخ اقتصادية” تدمر البنى المالية للدول.
قراءة في المحركات الخفية للصراع
يخلص البروفيسور سدات لاتشينر إلى أن إسرائيل تلعب دوراً محورياً في تأجيج الصراع خلف الكواليس، مستغلة وجود قواعد عسكرية غير معلنة في العراق، وقدرات استخباراتية في سوريا وإيران، لشن هجمات قد تُنسب لأطراف أخرى بهدف إثارة الفتنة. ويحذر من أن منطقة الشرق الأوسط باتت “مرجلاً يغلي” قد ينفجر في أي لحظة ليتحول إلى حرب عالمية لا تستثني أحداً، ضاربةً استقرار الاقتصاد العالمي في مقتل.

