تشهد الأروقة السياسية والإعلامية في تركيا تحولاً جوهرياً يتجاوز مجرد الحوادث الفردية، ليتحول إلى نمط متكرر يعكس حالة من الاضطراب البنيوي داخل منظومة الحكم. إن ما نشهده اليوم من عمليات تصفية وإقصاء لأسماء كانت تعد “رؤوس حربة” في الدفاع عن النظام، ليس إلا تجلياً لاستراتيجية “تآكل الأطراف” التي ينتهجها النظام حين يشتد عليه الخناق.
جدلية المركز والأطراف: من هم “أبناء الزوجة”؟
لفهم هذا المشهد، يجب التمييز بدقة بين مكونين أساسيين داخل بنية النظام: “أبناء النواة الصلبة” (أبناء الباحة الداخلية) و”الوكلاء الطارئين” (أبناء الباحة الخارجية)، على حد تعبير المحلل السياسي التركي أمره أوسلو.
أبناء الباحة الداخلية، وفق أوسلو، هم الذين يمثلون الجذور الأيديولوجية أو التاريخية للنظام، مثل الشخصيات القادمة من خلفية “الرؤية الوطنية” (Milli Görüş) أو أولئك المرتبطين عضوياً بمؤسسات الدولة العميقة الجديدة، ومن أمثلة هؤلاء إبراهيم كالين ويحيى بوستان. هؤلاء يمثلون الثبات والاستمرارية، وتصفيتهم تعد خطاً أحمر لأنها تعني تقويض أركان البيت من الداخل.
أما الوكلاء الطارئون (أبناء الباحة الخارجية): هم شخصيات إعلامية وسياسية تم استقطابها لتأدية مهام قذرة أو تعبوية في مراحل معينة، دون أن يكون لهم جذور حقيقية داخل النواة الصلبة. أسماء مثل جيم كوتشوك، راسم أوزان كوتاهيلي، محمد عاكف أرسوي، وفؤاد أوغور، يندرجون تحت هذا التصنيف. هؤلاء هم “أبناء الزوجة” أو الأبناء غير الشرعيين سياسياً، الذين يتم التضحية بهم بمجرد أن تصبح تكلفتهم السياسية أو الأخلاقية أعلى من المنفعة التي يقدمونها، كما يقول أوسلو.
التحليل السوسيولوجي والسياسي لعملية “تغيير الجلد“
يعتبر أوسلو أن نظام أردوغان يدخل حالياً مرحلة “تبديل الجلد”، وهي عملية حيوية قاسية تشبه سلوك الزواحف حين تضيق بها جلودها القديمة. وتفرض هذه العملية عدة ضرورات:
- التحول الجيلي: يدرك النظام أن الأجيال الجديدة التي لم تشهد أحداثاً مفصلية مثل محاولة الانقلاب في 2016 إلا كأطفال، أصبحت الآن قوة تصويتية واعية. والخطاب القديم الذي كان يقوده “وكلاء الأطراف” لم يعد مقنعاً أو فعالاً مع هذه الفئة، مما يستوجب استبدال الوجوه المحترقة بوجوه جديدة تتناسب مع لغة العصر.
- الأزمة الاقتصادية وكلفة الولاء: في أوقات الرخاء، يمتلك النظام القدرة على شراء الولاءات وتوزيع العطايا على “جيش” من الإعلاميين والمطبلين. أما في أوقات الانكماش الاقتصادي، فإن النظام يضطر لتقليص نفقاته السياسية، فتصبح هذه الشخصيات “حمولة زائدة” يجب إلقاؤها من الطائرة لتجنب السقوط.
- القمع الأفقي مقابل القمع العمودي: تمارس الأنظمة السلطوية نوعين من القمع؛ “العمودي” الموجه ضد الشعب والمعارضة، و”الأفقي” الموجه ضد النخب داخل النظام نفسه لتطهيرها أو إعادة ترتيبها. إن ما نراه من اعتقالات أو تهميش لهؤلاء الوكلاء هو “قمع أفقي” يهدف إلى إرسال رسائل تحذيرية للبقية، وضمان السيطرة المطلقة للنواة الصلبة.
قضية جيم كوتشوك: التوقيت والرسالة
يشير أوسلو إلى أن اعتقال الكاتب الصحفي جيم كوتشوك أو ملاحقته بتهم الابتزاز ليس صحوة ضمير قانونية مفاجئة؛ فممارساته في الابتزاز والتهديد تعود لأكثر من عقد من الزمان وكانت تجري تحت سمع وبصر النظام وبمباركته. ويؤكد أن تحويل ملفات قديمة إلى قضايا جنائية الآن هو دليل على أن “الحصانة” قد رفعت عنه.
هذا التغيير في الموقف الرسمي يعني، بحسب أوسلو، أن النظام لم يعد بحاجة لمثل هذه الأدوات الصارخة، وربما يسعى لتقديم “قرابين” للمجتمع لإظهار نوع من المحاسبة الشكلية، بينما الهدف الحقيقي هو التخلص من شخصيات باتت تسبب حرجاً دولياً ومحلياً للنظام في مرحلة يسعى فيها لإعادة التموضع.
آفاق المستقبل: هل ينجو النظام بتفكيك أطرافه؟
يلفت أوسلو إلى أن لجوء النظام إلى تصفية وكلائه يعكس حالة من “الخناق” البنيوي؛ فهو يحاول تقوية “الباحة الداخلية” وجعلها أكثر عدوانية وانغلاقاً للدفاع عن “الحصن الأخير”. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جسيمة:
- فقدان خط الدفاع الأول: هؤلاء الوكلاء كانوا يمثلون حواجز صد ومناورة أمام المعارضة، وبغيابهم يصبح الصدام مباشراً بين النواة الصلبة للنظام وبين القوى المعارضة.
- انهيار الثقة داخل الموالاة: تصفية “أبناء الباحة الخارجية” تزرع الشك في نفوس الموالين الآخرين، الذين يدركون الآن أنهم مجرد أدوات استهلاكية سيتم “التخلص منها في بالوعة التاريخ” بمجرد انتهاء صلاحيتها.
يمر النظام التركي بمرحلة تشبه “الكوما” السياسية، حيث يحاول الحفاظ على مظاهر الحياة من خلال التضحية بأطرافه لإنقاذ القلب. لكن التاريخ السياسي يخبرنا أن الأنظمة التي تبدأ بـ”أكل أبنائها” (ولو كانوا أبناء بالتبني) هي أنظمة تعيش مراحلها المتأخرة من التآكل.

