مع انتقال مشروع «تركيا بلا إرهاب» من مرحلة التصريحات السياسية إلى مرحلة التطبيق التشريعي، بدأ حزب العدالة والتنمية حملة منظمة لشرح الإطار القانوني الجديد لقواعده وقياداته المحلية، في محاولة لتوحيد الخطاب الذي ستستخدمه كوادر الحزب في مواجهة أسئلة الشارع، ولا سيما تلك المتعلقة بمصير زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وإمكانية الإفراج عنه، وما إذا كانت الترتيبات الجديدة تمثل عفواً عاماً أو تفتح الباب أمام ما يعرف بـ«حق الأمل».
وفي هذا السياق، أعدت رئاسة الشؤون السياسية والقانونية في الحزب مذكرة تفصيلية تحت عنوان «تركيا بلا إرهاب»، ووزعتها على كوادر التنظيم باعتبارها مرجعاً للخطاب السياسي الميداني. وتحاول الوثيقة تقديم رواية موحدة عن طبيعة القانون وحدوده وأهداف العملية، مع التشديد على أن ما يجري ليس تفاوضاً مع حزب العمال الكردستاني ولا صفقة سياسية مع قيادته.
وتأتي هذه الخطوة بعد إقرار الإطار القانوني في البرلمان بأغلبية كبيرة بلغت 467 صوتاً، ثم دخوله حيز التنفيذ بعد توقيع الرئيس رجب طيب أردوغان ونشره في الجريدة الرسمية. وكان نائب رئيس حزب العدالة والتنمية للشؤون السياسية والقانونية حياتي يازجي قد وصف القانون بأنه خطوة ستعزز «الأخوة» وتزيد من قوة تركيا.
لكن وراء اللغة الرسمية المطمئنة التي تستخدمها الوثيقة، تبرز مسألة سياسية أكثر حساسية: كيف يستطيع حزب العدالة والتنمية تمرير مشروع بهذا الحجم داخل قاعدته المحافظة والقومية من دون أن يخسر ثقتها؟
وهنا تحديداً تكمن أهمية الدليل الذي أعده الحزب.
القانون ليس عفواً عاماً.. والرسالة الأولى موجهة إلى القاعدة
تحاول مذكرة حزب العدالة والتنمية منذ البداية وضع حدود واضحة للنقاش.
فهي تؤكد أن القانون ليس عفواً عاماً، ولا يتضمن «حق الأمل»، ولا يمثل تشريعاً خاصاً بشخص معين. كما تشدد على أن بعض الجرائم، وعلى رأسها الجرائم المرتبطة بقتل العسكريين وأفراد الشرطة والمدنيين، مستبعدة من الاستفادة من الترتيبات الجديدة.
وتصف الوثيقة العملية بأنها «مشروع دولة»، وليس مبادرة حزبية عابرة، وتربطها بفكرة أوسع تتعلق بمستقبل تركيا، وليس فقط بإنهاء المواجهة المسلحة مع حزب العمال الكردستاني.
وتقول المذكرة إن الدولة لا تخفي عن المواطنين أي إجراءات سرية مرتبطة بالعملية، وإن جميع خطواتها تتم في إطار الشفافية. كما تقدم المشروع باعتباره حصيلة خبرة سياسية وأمنية طويلة، وتربطه بضرورة توجيه الموارد التي كانت تستنزفها المواجهة المسلحة نحو التعليم والتنمية والاستثمار في الشباب.
وهذا الخطاب مهم سياسياً؛ لأنه يحاول نقل النقاش من سؤال «ماذا سيحصل لأوجلان؟» إلى سؤال مختلف: ماذا ستكسب تركيا إذا انتهى الصراع المسلح؟
أوجلان.. السؤال الذي لا يستطيع الحزب تجاهله
يبقى اسم عبد الله أوجلان محور أكثر الأسئلة حساسية داخل المجتمع التركي.
فمنذ بدء مسار «تركيا بلا إرهاب»، ظل السؤال المتكرر هو: هل ستؤدي العملية في نهايتها إلى إخراج أوجلان من السجن؟ وهل ستمنحه الدولة «حق الأمل»؟ وهل يتضمن القانون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة طريقاً إلى الإفراج عنه؟
المذكرة الحزبية تقدم إجابة حاسمة: لا.
فهي تشير إلى أن عبارتي «العفو العام» و«حق الأمل» غير موجودتين في نص القانون، وأن المشرّع استبعد بصورة صريحة الأحكام المتعلقة بالسجن المؤبد والسجن المؤبد المشدد عن الجرائم المرتكبة قبل الأول من يونيو/حزيران 2005.
وبناءً على هذا الاستثناء، تقول الوثيقة إن أوجلان لا يستطيع الاستفادة من القانون.
ويكتسب تاريخ الأول من يونيو/حزيران 2005 أهمية قانونية خاصة، إذ يمثل تاريخ دخول قانون العقوبات التركي الجديد حيز التنفيذ. وقد صيغت الاستثناءات في القانون بحيث لا تشمل الجرائم الأقدم التي ترتب عليها السجن المؤبد أو المؤبد المشدد، وهو ما يجعل أوجلان، الذي تعود قضيته إلى ما قبل هذا التاريخ، خارج نطاق هذه الآلية.
وبالتالي، فإن الرسالة التي يريد حزب العدالة والتنمية إيصالها إلى جمهوره واضحة: قانون «تركيا بلا إرهاب» لا يعني إطلاق سراح أوجلان، ولا يمنحه وضعاً قانونياً جديداً، ولا يتضمن عفواً عنه.
لكن استبعاد أوجلان من القانون لا يلغي دوره السياسي في العملية.
هنا تظهر المفارقة الأكثر أهمية في المشهد.
فمن الناحية القانونية، تقول الحكومة إن أوجلان مستبعد من القانون. لكن من الناحية السياسية، لا يمكن إنكار أن اسمه أصبح أحد أبرز الرموز المرتبطة بالمسار الجديد.
وهذا هو مصدر القلق الذي يبدو أن حزب العدالة والتنمية يحاول احتواءه داخل صفوفه.
فحتى إذا لم يتضمن القانون الإفراج عن أوجلان، فإن التواصل السياسي معه، والاعتراف بدوره في دفع حزب العمال الكردستاني نحو إنهاء نشاطه المسلح، والحديث عنه بوصفه طرفاً قادراً على التأثير في قرار التنظيم، يمكن أن يؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج مكانته السياسية والرمزية.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين:
المكانة القانونية لأوجلان شيء، ومكانته السياسية والرمزية شيء آخر.
القانون قد يغلق الطريق أمام الإفراج عنه بموجب هذه الآلية، لكنه لا يستطيع وحده منع النتائج السياسية لمسار يشارك فيه اسمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وهذه هي النقطة التي تثير أكبر قدر من الحساسية داخل القاعدة القومية والمحافظة لحزب العدالة والتنمية.
الحكومة: لا تفاوض ولا صفقة
المذكرة تحاول أيضاً حسم سؤال آخر شديد الحساسية: هل يمثل «تركيا بلا إرهاب» عملية تفاوض مع حزب العمال الكردستاني؟
الإجابة التي تقدمها قيادة الحزب هي النفي.
فوفق الرواية الرسمية، لا توجد مفاوضات أو مساومة مع التنظيم، وإنما تستخدم الدولة قدراتها القانونية والأمنية لإنهاء الإرهاب، وإنهاء الوجود الفعلي لحزب العمال الكردستاني وحزب المجتمعات الكردستانية والهياكل المرتبطة به.
وتضع الوثيقة مجموعة من الشروط السياسية والأمنية في مقدمة العملية، أبرزها التخلي الكامل عن السلاح، إنهاء النشاط المسلح، وتحويل الديمقراطية إلى المجال الشرعي الوحيد للعمل السياسي، مع التأكيد على سيادة القانون.
وبذلك تريد الحكومة تقديم العملية باعتبارها استسلاماً للسلاح وليس تنازلاً للدولة.
وهذا التفريق ضروري بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، لأن الاعتراف بوجود «مفاوضات سياسية» مع التنظيم قد يفتح الباب أمام انتقادات حادة من التيار القومي، ولا سيما حليفه حزب الحركة القومية.
القانون مشروط.. ولا يعمل تلقائياً
ومن النقاط التي تحاول الحكومة إبرازها أن القانون لا يمنح تلقائياً امتيازات لكل أعضاء حزب العمال الكردستاني.
فالتطبيق مرتبط أولاً بثبوت إنهاء التنظيم وجوده الفعلي وتسليم أسلحته، ثم قيام المؤسسات الأمنية بالتأكد من ذلك، على أن يتم تأكيد هذه النتيجة من خلال قرار لمجلس الأمن القومي ونشره في الجريدة الرسمية.
بعد تحقق هذه الشروط تبدأ الآلية القانونية الخاصة بالاستفادة من أحكام القانون، مع فترة محددة للتقدم بطلبات الاستفادة. أما من لا يتقدم وفق الإجراءات المحددة فلا يستفيد من الآلية.
كما أن الجرائم الخطيرة، وخاصة جرائم القتل العمد المرتكبة في إطار نشاط التنظيم، فضلاً عن بعض الجرائم السابقة للتاريخ المحدد قانوناً، بقيت خارج نطاق الاستفادة.
أما بالنسبة إلى العقوبات المشمولة، فتتضمن الآلية تأجيل تنفيذ بعض العقوبات لفترات مختلفة بحسب مدة الحكم، مع إمكانية إلغاء التأجيل إذا ارتكب المستفيد جريمة إرهابية جديدة خلال الفترة المحددة.
وهذا يعني أن القانون ليس، من الناحية الفنية، «عفواً جماعياً» بالمعنى التقليدي، بل آلية قانونية مشروطة ومحددة ترتبط بسلوك التنظيم وبشروط مؤسسات الدولة.
الرسالة إلى القوميين: لا مساس بوحدة الدولة
في محاولة واضحة لطمأنة التيار القومي، تحدد الوثيقة ما تسميه الخطوط الحمراء لحزب العدالة والتنمية.
وتضع في مقدمة هذه الخطوط النظام الوحدوي للدولة، وسيادتها، ووحدة أراضيها، وعدم المساس بالحقوق السيادية للجمهورية التركية.
وهذه الرسالة ليست تفصيلاً لغوياً.
فأي حديث عن تسوية القضية الكردية في تركيا يواجه فوراً أسئلة تتعلق بالفدرالية، أو الحكم الذاتي، أو إعادة تعريف الدولة، أو منح حزب العمال الكردستاني أو القوى المرتبطة به اعترافاً سياسياً.
ولهذا يسعى الحزب إلى التأكيد أن «تركيا بلا إرهاب» لا تعني إعادة بناء الدولة التركية على أساس مختلف، وإنما تعني إنهاء العنف المسلح مع الإبقاء على البنية الدستورية للدولة.
«لغة جامعة».. محاولة لإدارة الشارع قبل إدارة العملية
ومن اللافت أن المذكرة لا تكتفي بتحديد مضمون القانون، بل تقدم توجيهات لكيفية الحديث عنه.
فقد طلبت من كوادر الحزب استخدام لغة «جامعة وشاملة»، وإبراز مفاهيم مثل الأخوة الوطنية والتضامن الوطني، والحذر من الاستفزازات، وعدم الانجرار إلى خطاب يمكن أن يزيد الاستقطاب.
وهذا يكشف أن حزب العدالة والتنمية يدرك أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة قد لا يكون قانونياً، وإنما إدارة الرأي العام.
فالمشروع يحتاج إلى تأييد جزء من المجتمع الكردي، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى عدم خسارة الناخب القومي والمحافظ.
ويحتاج الحزب إلى الحديث عن السلام من دون أن يبدو وكأنه قدم تنازلات لـ«الإرهاب» أمام قاعدته التقليدية.
ويحتاج أيضاً إلى الاعتراف بأن إنهاء الصراع المسلح قد يفتح صفحة جديدة في البلاد، من دون أن يسمح بأن يتحول أوجلان إلى الرمز السياسي لهذه الصفحة.
الحسابات الداخلية لحزب العدالة والتنمية
من هذه الزاوية، يمكن فهم الحملة الإعلامية والتنظيمية الحالية بوصفها محاولة لتحقيق توازن بالغ الصعوبة.
فالحزب يريد أن يقول للناخب المحافظ والقومي إن الدولة لم تتنازل عن خطوطها الحمراء.
وفي الوقت نفسه، يريد أن يقنع الناخب الكردي بأن نهاية الحرب يمكن أن تفتح المجال أمام مرحلة سياسية واجتماعية مختلفة.
لكن المشكلة أن هذين الخطابين قد يصطدمان ببعضهما.
فكلما ارتفعت قيمة العملية السياسية في نظر الشارع الكردي، ارتفعت أيضاً احتمالية أن يُنظر إلى أوجلان بوصفه أحد أصحاب التأثير في إنهاء الصراع.
وكلما ارتفعت رمزية أوجلان، أصبح من الأصعب على الحكومة إقناع القاعدة القومية بأن العملية لا تمثل مكافأة لقيادة حزب العمال الكردستاني.
وهذه معادلة سياسية شديدة الحساسية.
هل يتحول أوجلان إلى «زعيم كردي طبيعي»؟
هنا تكمن المخاوف السياسية التي ينبغي فصلها عن الحكم القانوني على القانون.
فقد قاتلت الدولة التركية حزب العمال الكردستاني لعقود، وسقط خلال الصراع عدد كبير جداً من العسكريين وأفراد الشرطة والمدنيين.
ولهذا فإن أي مسار يؤدي، ولو بصورة غير مباشرة، إلى إعادة تقديم أوجلان باعتباره صاحب دور مركزي في إنهاء الصراع قد يثير غضب قطاعات واسعة من المجتمع التركي.
والقلق الذي يبرز داخل القاعدة المحافظة والقومية ليس بالضرورة أن يخرج أوجلان من السجن بموجب القانون الجديد؛ فالنص القانوني يحاول إغلاق هذا الباب.
القلق الأعمق هو أن النتيجة السياسية للعملية قد تمنحه ما هو مختلف عن الحرية القانونية: شرعية رمزية أوسع.
فإذا أصبح إنهاء الحرب مرتبطاً بصورة متزايدة برسائل أوجلان أو دعواته أو قرارات التنظيم المنسوبة إليه، فقد يترسخ لدى قطاعات من الأكراد تصور بأنه صاحب الدور المركزي في إنهاء الصراع.
وهذا لا يعني بالضرورة أن أوجلان أصبح «الزعيم الطبيعي» لجميع الأكراد، فالمجتمع الكردي التركي متعدد سياسياً وفكرياً، ولا يمكن اختزاله في حزب واحد أو شخصية واحدة.
لكن من الناحية السياسية، فإن رفع مستوى حضوره في مسار السلام أو نزع السلاح قد يعيد تشكيل صورته داخل جزء من الجمهور الكردي، وهو ما يفسر الحساسية الشديدة تجاه اسمه داخل القاعدة القومية لحزب العدالة والتنمية.
لماذا تحتاج الحكومة إلى خطاب مطمئن؟
يمكن قراءة الدليل الذي أعده الحزب باعتباره وثيقة لإدارة المخاطر السياسية بقدر ما هو شرح للقانون.
فالحكومة تدرك أن أكبر عقبة أمام العملية ليست فقط موقف حزب العمال الكردستاني، وإنما قدرة السلطة على إقناع المجتمع التركي بأن نهاية الإرهاب لا تعني مكافأة المسؤولين عنه.
ولهذا تتكرر في الخطاب الرسمي عبارات مثل «لا عفو عام»، و«لا حق أمل»، و«لا إفراج عن أوجلان»، و«لا تفاوض»، و«لا تنازل عن وحدة الدولة».
هذه العبارات ليست مصادفة؛ إنها تستهدف بصورة مباشرة المخاوف الأكثر حضوراً لدى الناخبين القوميين والمحافظين.
وفي المقابل، يركز الخطاب الحكومي على مفاهيم الأخوة والتنمية والديمقراطية والاستثمار في الشباب، وهي الرسائل التي يمكن أن تساعد في بناء قبول أوسع لدى قطاعات أخرى من المجتمع.
حزب العدالة والتنمية أمام معادلة انتخابية صعبة
تبدو المسألة في النهاية مرتبطة أيضاً بمستقبل التحالفات السياسية داخل تركيا.
فحزب العدالة والتنمية لا يدير هذا الملف منفرداً؛ إذ إن حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهتشلي كان من أبرز الداعمين لمسار «تركيا بلا إرهاب»، ما يجعل الحفاظ على القاعدة القومية عنصراً أساسياً في نجاح العملية السياسية.
وفي الوقت نفسه، فإن أي انفتاح جديد على القضية الكردية قد تكون له انعكاسات على المشهد الانتخابي، وعلى علاقة الحكومة بالأحزاب الكردية، وعلى إمكانية إعادة تشكيل التوازنات السياسية في البلاد.
لذلك فإن الخطاب الحالي يحاول الجمع بين رسالتين متناقضتين ظاهرياً:
السلام لا يعني التنازل.
وإنهاء الحرب يمكن أن يعني بداية مرحلة جديدة.
ما الذي تغير فعلياً بعد إقرار القانون؟
التغيير الأساسي هو أن الدولة انتقلت من الحديث السياسي عن «تركيا بلا إرهاب» إلى وضع إطار قانوني لتنفيذ جزء من العملية، لكن هذا الإطار لم يمنح أوجلان طريقاً إلى الإفراج.
بل على العكس، وضعت صياغة القانون حدوداً واضحة أمام الاستفادة من الترتيبات الجديدة، بما في ذلك استبعاد بعض الجرائم الخطيرة، والأحكام المرتبطة بجرائم ارتكبت قبل الأول من يونيو/حزيران 2005.
وفي المقابل، فتح القانون الباب أمام آلية قانونية محددة لمن تنطبق عليهم الشروط، وربط تطبيقها عملياً بثبوت إنهاء حزب العمال الكردستاني نشاطه المسلح وتسليم أسلحته.
وبذلك أصبح نجاح العملية مرتبطاً بثلاثة مستويات متداخلة: قرار التنظيم، وتقييم مؤسسات الدولة، وقدرة الحكومة على الحفاظ على التوازن السياسي داخل المجتمع.
المعركة المقبلة ليست في البرلمان فقط
بعد إقرار القانون، بدأت مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة التنفيذ والإقناع.
فالبرلمان أدى دوره التشريعي، لكن الحكومة أصبحت أمام اختبار ميداني وسياسي.
هل سيتخلى حزب العمال الكردستاني فعلاً عن وجوده المسلح؟
هل ستعتبر مؤسسات الدولة أن شروط التطبيق قد تحققت؟
هل ستقبل القاعدة القومية والمحافظة بنتائج العملية إذا تطورت نحو ترتيبات سياسية أوسع؟
وهل ستتمكن الحكومة من منع العملية من التحول إلى منصة تعيد تقديم أوجلان باعتباره شخصية سياسية مركزية؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها القانون وحده.
الخلاصة: القانون يستبعد أوجلان.. لكن السياسة قد تعيد إنتاج رمزيته
تكشف مذكرة حزب العدالة والتنمية أن الحكومة تدرك تماماً حجم الحساسية التي يثيرها مشروع «تركيا بلا إرهاب» داخل قاعدتها السياسية.
ولهذا سارعت إلى بناء خطاب موحد يركز على أن القانون ليس عفواً عاماً، ولا يتضمن «حق الأمل»، ولا يفتح طريقاً لإطلاق سراح عبد الله أوجلان، وأن الجرائم الخطيرة، ولا سيما جرائم القتل، مستبعدة من نطاق الاستفادة.
لكن القضية الأهم لا تتعلق بالنص القانوني وحده.
فحتى إذا بقي أوجلان في السجن، فإن نجاح العملية في إنهاء الصراع المسلح قد يمنحه دوراً رمزياً وسياسياً أكبر مما كان يتمتع به في مرحلة المواجهة المسلحة، خصوصاً إذا أصبح خطابه أو تأثيره جزءاً من عملية تفكيك التنظيم وإنهاء وجوده المسلح.
وهنا تواجه الحكومة معضلتها الحقيقية: كيف تنهي حرباً استمرت عقوداً من دون أن تسمح لزعيم التنظيم الذي خاضت ضده هذه الحرب بأن يصبح، في الوعي العام، أحد أبرز رموز السلام الذي جاء بعد الحرب؟
لهذا يبدو أن حملة «الدليل» التي أطلقها حزب العدالة والتنمية ليست مجرد شرح قانوني للكوادر، بل محاولة استباقية لإدارة معركة سردية وسياسية بدأت بالفعل.
فالحكومة تريد أن تحتكر تعريف العملية باعتبارها مشروع دولة لإنهاء الإرهاب وتعزيز الوحدة الوطنية والتنمية، بينما تخشى في الوقت نفسه من أن تنتج العملية واقعاً سياسياً جديداً يمنح أوجلان، رغم بقائه خلف القضبان، مكانة رمزية يصعب تجاهلها.
وهذه المفارقة قد تكون الاختبار الأصعب لمشروع «تركيا بلا إرهاب» في مرحلته المقبلة: إنهاء قوة السلاح من دون تحويل صاحب السلاح إلى رمز سياسي، وتحقيق السلام من دون خسارة القاعدة التي صوتت طويلاً على أساس الأمن والقومية.

