شهدت العاصمة البولندية وارسو فعاليات مؤتمر “البعد الإنساني” التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (AGİT/OSCE)، والذي انطلقت أعماله في الخامس من أكتوبر وامتدت حتى الخامس عشر منه.
يُعد هذا المؤتمر محفلاً دُولياً جامعاً لممثلي الدبلوماسية والوفود الرسمية للدول الأعضاء، إلى جانب ممثلي منظمات المجتمع المدني، والأكاديميين، والإعلاميين، لمراجعة الالتزامات الحقوقية وتقييم التطبيقات الميدانية.
وتتيح الجلسات العامة في هذا المنبر لمنظمات المجتمع المدني إمكانية إلقاء كلمات مركزة مدتها ثلاث دقائق أمام الوفود الرسمية مباشرة، وذلك بالتوازي مع تنظيم فعاليات جانبية تخصص لمناقشة أبعاد الملفات الحقوقية بأسلوب أكثر تفصيلاً وتحليلاً.
شهادة حقوقية من واقع الميدان: نتائج البحث العلمي للضحايا
في هذا الإطار التنظيمي، قدم الخبير التركي في علم الضحايا (Victimology) والمسؤول الأمني السابق المُقال بموجب مرسوم قانوني، الدكتور فكرت دميرتشيفي، مداخلة رسمية ممثلاً لمؤسسة “التضامن مع الآخرين” (Solidarity with OTHERS) ومقرها بلجيكا. ارتكز العرض على نتائج بحث ميداني استعرض فيه دميرتشيفي شهادات موثقة لـ 79 شخصاً ممن تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة وضغوط المؤسسات الرسمية في تركيا.
وكشفت المعطيات أن أشكال الانتهاكات أثناء فترة الاحتجاز لم تقف عند حدود الضرب الجسدي والعنف الجنسي، بل شملت تهديدات مباشرة وجهت ضد الزوجات والأبناء. كما أن الآثار المترتبة على هذه الممارسات تتجاوز مرحلة التوقيف؛ إذ تنعكس في صورة ندوب جسدية واضطرابات نفسية ممتدة كالأرق والذعر الدائم، مصحوبة بانهيار الثقة في الأجهزة المؤسسية المفترض بها توفير الحماية.
وفي إحدى الشهادات التي عُرِضت أمام الوفود الدولية، صرّح أحد الناجين بأن عمليات التعذيب جرت بحقه بأساليب احترافية دقيقة، مما جعل آثارها تتجسد في كوابيس مستمرة يرى فيها عناصر الشرطة يطاردونه، ليستيقظ بعد سنوات طويلة وهو يعاني من الإنهاك النفسي والجسدي.
التحليل النفسي والمؤسسي: العدالة الترجيعية ومفهوم “الجرح الثاني“
تُقدم القراءة المتخصصة من منظور علم الضحايا تحليلاً كلياً يتجاوز فكرة التعويض المالي المباشر؛ حيث إن التعذيب يتسبب في إحداث شرخ عميق وقطيعة في مسار حياة الإنسان لا يمكن علاجها عبر التسويات المالية المجرّدة. وتتطلب عملية الاستجابة الشاملة للضحايا استيفاء عدة متطلبات رئيسية:
- تقديم خدمات إعادة التأهيل النفسي والطبي الشامل للمتضررين.
- استعادة الوضع المهني والقانوني السابق للضحايا.
- توفير ضمانات مؤسسية وقانونية أكيدة لمنع تكرار هذه الانتهاكات مستقبلًا.
- اعتراف الدولة الصريح بالانتهاكات، وتقديم اعتذار رسمي، واتخاذ خطوات نمطية ورمزية للتخليد والتذكر.
ويشير التحليل الحقوقي إلى أن استمرار ظاهرة “الإفلات من العقاب” يُمثّل “جرحاً ثانياً” يُضاعف من معاناة الضحايا. في المقابل، فإن تفعيل مبدأ المساءلة القانونية يحقق منفعة مجتمعية عامة؛ إذ يعيد للضحايا كرامتهم، ويحمي الموظفين والضباط القائمين على إنفاذ القانون بالأساليب المشروعة، ويبني الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
التوصيات الإجرائية الموجهة للسلطات التركية
بالاستناد إلى التزامات تركيا بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب والبروتوكول الاختياري الملحق بها، وقبولها باختصاص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (AİHM)، إلى جانب السياسة المعلنة رسمياً تحت شعار “الصفر تسامح مع التعذيب”، جرى توجيه أربعة مطالب إجرائية محددة:
- فتح تحقيقات مستقلة وفورية وفعالة في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة وفق الضوابط والمعايير الواردة في “بروتوكول إسطنبول”.
- إجراء الفحوصات الطبية للمحتجزين في ظروف تضمن السرية التامة ودون حضور العناصر الأمنية.
- توفير الحماية القانونية والأمنية للضحايا والمشتكين ومحاميهم وعائلاتهم لوقايتهم من أشكال الانتقام أو الاتهامات المضادة.
- دعم استقلالية وموارد الآلية الوطنية لمنع التعذيب، والتنفيذ الكامل وغير المشروط لقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأكدت منظمة “التضامن مع الآخرين” جاهزيتها لمواصلة تقديم البيانات الميدانية وإجراء حوار بناء مع الجهات الرسمية التركية استناداً إلى مبدأ الحظر المطلق للتعذيب الذي تقره منظمة الأمن والتعاون.
المسار المهني والذاتي للباحث: من الإنفاذ إلى التوثيق
تُبرز السيرة الذاتية للباحث فكرت دميرتشيفي نموذجاً ملموساً للممارسات الإدارية والأمنية؛ فقد عمل لسنوات طويلة ضمن مديرية الأمن العامة التركية وفي إدارة مختبرات الشرطة الجنائية، وشغل أخيراً موقع مدير شعبة في مديرية أمن ديار بكر.
وتعود بدايات الاستبعاد الوظيفي الذي تعرض له إلى ما بعد تحقيقات 17-25 كانون الأول/ديسمبر؛ حيث كُلّف بإجراء تحقيق إداري بحق مسؤول أمني مُستهدف، ولعدم وجود أدلة تثبت ارتكاب مخالفة قانونية، امتنع دميرتشيفي عن المطالبة بفرض عقوبة. ورغم استدعائه من قبل مدير أمن المحافظة ثلاث مرات والضغط عليه لتغيير النتيجة والتوصية بالعقاب، تمسك بتقريره دون تغيير أي حرف.
عقب ذلك، تعرض دميرتشيفي مع زهاء عشرين ضابطاً آخرين لممارسات التضييق والإبعاد الإداري، حيث أُقصوا عن مهامهم الرئيسية ونُقلوا إلى نقاط التفتيش الخارجية على الطرقات وفق نظام عمل مجهد. وبعد أحداث تموز/يوليو 2016، أُقيل نهائياً بموجب مرسوم قانوني وقضى ستة أشهر في السجن. وفي عام 2018 غادر تركيا متجهاً إلى أوروبا، حيث واصل أبحاثه الأكاديمية والبحثية في مجال علم الضحايا وتوثيق آثار عنق الدولة وضغوطها عبر عمله في منظمة “التضامن مع الآخرين” ببروكسل.

