بقلم: ياوز أجار
لم تعد المواجهات المتصاعدة في اليمن مجرد صراع داخلي على السلطة والنفوذ، بل باتت جزءاً من تحولات جيوسياسية أوسع تمس بنية الأمن الإقليمي وموازين القوة في الشرق الأوسط. فالتطورات العسكرية في محيط باب المندب وجنوب البحر الأحمر تتقاطع اليوم مع الحسابات الأمنية السعودية، وصعود التعاون الدفاعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتكتسب العمليات العسكرية المعلنة تحت اسم «فجر اليمن» أهمية تتجاوز حدود المكاسب الميدانية المباشرة؛ إذ تستهدف، وفق التصريحات المتداولة، تقليص سيطرة الحوثيين على المناطق الساحلية وإعادة ترتيب موازين القوة حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
غير أن جوهر هذه المواجهة لا يكمن في تحديد الطرف الذي يسيطر على مساحة جغرافية أوسع، بل في الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: من يمتلك القدرة على تأمين طرق الملاحة، وفرض معادلات الردع، وتحديد الشروط السياسية والأمنية للنظام الإقليمي الذي سيتشكل بعد انحسار المواجهات؟
ومن الضروري هنا التمييز بين النتائج العسكرية المؤكدة والادعاءات الميدانية التي لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل، ولا سيما ما يتعلق بحجم الخسائر وتغير خرائط السيطرة.
معركة باب المندب والانتقال من السيطرة الجغرافية إلى التفوق الاستراتيجي
تشير المعطيات المعلنة بشأن العمليات في محيط ذوباب ومعسكر العمري ومرتفعات الساحل الغربي إلى محاولة لإعادة تشكيل البيئة العسكرية المحيطة بباب المندب، عبر تضييق هامش المناورة أمام الحوثيين والضغط على خطوط إمدادهم وانتشارهم.
ويعكس امتداد المواجهات إلى جبهات تعز ولحج ومأرب والجوف توجهاً نحو توزيع الضغط العسكري على محاور متعددة، بما يحول دون تركيز الجماعة قدراتها في جبهة واحدة. إلا أن هذا الأسلوب يحمل تحديات موازية، تتعلق بتأمين الإمدادات وتنسيق العمليات ومنع استنزاف القوات في مساحات جغرافية متباعدة.
وتبرز الأهمية الاستراتيجية لجزيرة ميون والمرتفعات المطلة على المضيق بحكم قدرتها على توفير مواقع متقدمة للرصد والمراقبة، وتعزيز التحكم في المجال الساحلي المحيط بالممر البحري.
ومع ذلك، فإن السيطرة البرية لا تعني بالضرورة امتلاك السيادة الأمنية الكاملة على المضيق. فحماية الملاحة تتطلب منظومة متكاملة تشمل الاستطلاع والاستخبارات والدفاع الجوي والبحري، والقدرة على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة والألغام البحرية.
وعليه، فإن المعيار الحقيقي للنجاح العسكري لا يتمثل في استعادة المواقع فحسب، بل في تحويلها إلى عمق أمني مستدام يمنع إعادة إنتاج التهديدات.
تحالف مكة وصعود مفهوم الردع الإقليمي الجماعي
يمثل التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، في إطار ما يُعرف بـ«تحالف مكة»، أحد أبرز التطورات المرتبطة بمحاولات إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي.
وتشير التقارير المتداولة إلى توقيع اتفاق دفاعي في أغسطس 2026، أعقبته خطوات لتفعيل التعاون في أكتوبر الحالي. وإذا تأكدت هذه الترتيبات وطبيعة التزاماتها، فإن أهميتها تكمن في الانتقال التدريجي من الاعتماد على الضمانات الخارجية التقليدية إلى بناء قدرات ردع إقليمية أكثر تنوعاً.
ولا تنبع قوة هذا التقارب من الجمع العددي للقدرات العسكرية للدول الثلاث، بل من التكامل المحتمل بين عناصر قوتها المختلفة.
فالسعودية توفر الثقل الاقتصادي والموقع الجغرافي والقدرة على تمويل البنية الدفاعية، بينما تمتلك تركيا صناعة عسكرية متنامية وخبرات في تشغيل الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية والتخطيط العملياتي. أما باكستان، فتضيف خبرتها العسكرية وعلاقاتها الدفاعية الممتدة مع الرياض وقدراتها البشرية والتقنية.
وتشير التقارير المتعلقة بالمساهمة التركية إلى تركيز أولي على الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخبارية والدعم الفني واللوجستي، دون أن يعني ذلك بالضرورة انخراطاً مباشراً في العمليات البرية.
لكن من السابق لأوانه التعامل مع هذا التحالف باعتباره منظومة عسكرية متكاملة على غرار حلف شمال الأطلسي. ففاعليته ستظل مرهونة بوضوح الالتزامات الدفاعية، وتوحيد آليات اتخاذ القرار، وتنسيق منظومات التسليح والقيادة، ومدى استعداد أعضائه لتحمل التكاليف السياسية والعسكرية عند اندلاع الأزمات.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لتحالف مكة لن يكون في حجم الاتفاقيات الموقعة، بل في قدرته على تحويل التضامن السياسي إلى ردع فعلي قابل للتطبيق.
خسائر الحوثيين وانعكاساتها على العمق الاستراتيجي الإيراني
لا يمكن فهم التأثير المحتمل لخسائر الحوثيين دون النظر إلى موقع اليمن داخل شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني.
فبالنسبة إلى طهران، لا يمثل الحوثيون مجرد حليف محلي، بل يشكلون طرفاً قادراً على ممارسة الضغط على خصومها، وتهديد المصالح الاقتصادية والملاحية، ورفع تكلفة المواجهة دون الحاجة إلى انخراط عسكري إيراني مباشر.
ومن هذه الزاوية، فإن تراجع قدرة الحوثيين على التحكم في الساحل الغربي، إذا تحقق بصورة مستدامة، قد يحد من أحد أهم أدوات الضغط غير المباشر التي تستفيد منها إيران في معادلة التنافس الإقليمي.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ظل التحولات التي شهدتها ساحات النفوذ الإيراني الأخرى، ولا سيما التراجع الذي أصاب بعض قدرات حلفائها في لبنان، والتغيرات السياسية والعسكرية في سوريا.
فكلما تقلصت قدرة طهران على توظيف الساحات الإقليمية المختلفة، ازدادت أهمية المواقع التي لا تزال تمنحها نفوذاً خارج حدودها المباشرة.
وهنا يبرز الترابط الاستراتيجي بين مضيقي هرمز وباب المندب. فالأول يمثل نقطة حساسة في أمن صادرات الطاقة الخليجية، بينما يشكل الثاني ممراً محورياً للتجارة بين آسيا وأوروبا. وقدرة إيران أو حلفائها على التأثير في أي منهما تمنحهم أوراق ضغط تتجاوز الأبعاد العسكرية إلى الاقتصاد العالمي.
غير أن خسائر الحوثيين لا تعني تلقائياً انهيار النفوذ الإيراني. فالعلاقة بين طهران والجماعة ليست علاقة قيادة وسيطرة مطلقة، كما أن فقدان بعض المواقع لا يلغي القدرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة أو مواصلة العمليات غير المتكافئة.
والتحول الأكثر أهمية لا يتمثل في القضاء على النفوذ الإيراني، بل في تقليص قدرته على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة ضغط استراتيجية منخفضة التكلفة.
تحالف مكة وإيران: ملامح معادلة ردع جديدة
رغم أن التعاون الدفاعي السعودي–التركي–الباكستاني لا يُطرح بالضرورة بوصفه تحالفاً موجهاً حصرياً ضد إيران، فإن تفعيله في سياق التصعيد اليمني يمنحه أبعاداً تتصل مباشرة بمستقبل التوازن مع طهران وحلفائها.
ويتمثل البعد الأول في رفع تكلفة الهجمات العابرة للحدود؛ إذ إن استهداف السعودية قد يصبح مرتبطاً، في الحسابات العسكرية للخصوم، بإمكانات دفاعية واستخبارية أوسع من القدرات السعودية المنفردة.
أما البعد الثاني، فيتعلق ببناء شبكة تعاون عسكري وتكنولوجي قادرة على تطوير منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي وتبادل المعلومات، بما يقلص فاعلية بعض أدوات الحرب غير المتكافئة.
ويتصل البعد الثالث بإعادة تشكيل حسابات إيران نفسها. فإذا أدركت طهران أن استمرار الضغط عبر الحوثيين يؤدي إلى تسريع التكامل الدفاعي بين قوى إقليمية مؤثرة، فقد تجد نفسها أمام معادلة تتزايد فيها كلفة التصعيد مقارنة بمكاسبه المحتملة.
لكن هذه النتيجة ليست حتمية؛ فقد يدفع الضغط العسكري بعض الأطراف إلى التصعيد بدلاً من التراجع، خصوصاً إذا اعتقدت أن خسارة مواقعها الاستراتيجية ستؤدي إلى تآكل نفوذها السياسي بصورة دائمة.
ولهذا، فإن نجاح الردع الإقليمي يحتاج إلى الجمع بين القوة العسكرية وفتح مسارات دبلوماسية واضحة، تمنع تحول التنافس إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواء نتائجها.
السعودية وتركيا وباكستان بين توزيع الأدوار وصناعة النظام الإقليمي
تكشف هذه التطورات عن تحول محتمل في توزيع المسؤوليات الأمنية داخل المنطقة.
فالسعودية تسعى إلى حماية منشآتها الحيوية وممراتها التجارية، وتعزيز قدرتها على إدارة المخاطر المرتبطة بمشروعاتها الاقتصادية الكبرى.
أما تركيا، فتجد في التعاون الدفاعي فرصة لتوسيع حضورها الاستراتيجي، وتوظيف قدراتها الصناعية والعسكرية في بناء شراكات تتجاوز نطاقها الجغرافي التقليدي.
وتستطيع باكستان بدورها تعزيز موقعها شريكاً أمنياً مؤثراً، مستفيدة من خبرتها العسكرية وعلاقاتها التاريخية مع الرياض.
غير أن هذا التكامل المحتمل لا يلغي اختلاف المصالح الوطنية. فأنقرة وإسلام آباد والرياض لا تتطابق أولوياتها بالضرورة في جميع الملفات الإقليمية، كما أن استعداد كل طرف للانخراط في نزاع مباشر قد يختلف تبعاً لحساباته الداخلية وعلاقاته الدولية.
ومن ثم، فإن مستقبل هذا التقارب سيتحدد بقدرته على إدارة الاختلافات بقدر ما سيتحدد بقدرته على مواجهة التهديدات المشتركة.
السيناريوهات المحتملة ومآلات التوازن الجديد
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة:
المسار الأول: تثبيت الردع وإعادة التوازن. تنجح القوات الحكومية اليمنية في الحفاظ على مكاسبها الساحلية، ويتطور التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وتتراجع قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة والمنشآت الحيوية. وقد يفضي ذلك إلى تقليص أوراق الضغط الإيرانية وتعزيز فرص التفاوض.
المسار الثاني: الاستنزاف طويل الأمد. يحتفظ الحوثيون بقدرتهم على شن هجمات غير متكافئة، بينما تواجه القوات الحكومية صعوبات في تأمين المناطق المستعادة. وعندئذ تتحول المكاسب الميدانية إلى عبء أمني واقتصادي مستمر.
المسار الثالث: اتساع المواجهة الإقليمية. يؤدي تصاعد الهجمات على الممرات البحرية والبنية التحتية إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، بما يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى توسيع انخراطها العسكري، ويرفع احتمالات المواجهة المباشرة.
ويتوقف ترجيح أحد هذه المسارات على تماسك التحالفات، وقدرة الأطراف على ضبط التصعيد، واستدامة الإمداد العسكري، ومدى استعدادها لتحويل نتائج الميدان إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للحياة.
من موازين القوة إلى هندسة الاستقرار
تكشف معركة باب المندب عن مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية مع الاقتصاد العالمي، وتتقاطع فيها الحسابات اليمنية مع مستقبل النفوذ الإيراني وصعود الشراكات الدفاعية الإقليمية.
فخسائر الحوثيين، إذا ترسخت، قد تضعف إحدى أدوات الضغط الاستراتيجي التي تستفيد منها طهران. وفي المقابل، قد يمنح التعاون السعودي–التركي–الباكستاني المنطقة قدرة أكبر على بناء منظومات دفاعية مشتركة وتقليص الاعتماد الحصري على الضمانات الخارجية.
لكن التفوق العسكري وحده لا يكفي لصناعة الاستقرار. فنجاح أي هندسة أمنية جديدة يتطلب مؤسسات قادرة على إدارة المخاطر، وآليات ردع واضحة، وتوافقات سياسية تمنع تجدد الصراع.
وفي المحصلة، لن يتحدد مستقبل باب المندب بعدد المواقع التي يخسرها الحوثيون، ولا بحجم القوة العسكرية التي يستطيع تحالف مكة حشدها، بل بمدى قدرة هذه التحولات على إنتاج نظام أمني يمنع استخدام الممرات البحرية وسيلة للابتزاز والصراع.
فالقوة الاستراتيجية الحقيقية لا تكمن في القدرة على تغيير خرائط السيطرة وحدها، وإنما في امتلاك الإرادة والوسائل اللازمة لصياغة قواعد الاستقرار الذي يعقب المعارك. وعند هذه النقطة تحديداً سيتضح ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو توازن أمني أكثر استدامة، أم نحو إعادة إنتاج الصراع بأدوات وتحالفات جديدة.

