كشفت حفريات أثرية حديثة في وسط تركيا عن جانب نادر من الحياة اليومية والسياسية داخل واحدة من أبرز ممالك الشرق الأدنى القديم، بعدما عثر علماء الآثار على مجموعة من الألواح الطينية المسمارية التي يعود تاريخها إلى نحو 3400 عام، وتوثق انتشار وباء قاتل، ووفاة أميرة رضيعة، ومخاوف داخل العائلة الملكية، إلى جانب استغاثات عسكرية وجهها قادة إلى ملكهم طلباً للتعزيزات.
وتأتي هذه الاكتشافات من موقع كايالي بنار في ولاية سيواس وسط تركيا، وهو الموقع الذي يعتقد الباحثون أنه كان يمثل مدينة ساموها الحيثية. وأعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية أن علماء الآثار عثروا خلال موسم التنقيب الأخير على 131 لوحاً وقطعة لوحية مكتوبة بالخط المسماري، تعود إلى عهد الملك تودخاليا الثاني في منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
أرشيف ملكي يفتح نافذة على عصر مضطرب
لا تكمن أهمية المكتشفات في قدمها فقط، وإنما في طبيعة المعلومات التي تحملها. فالألواح الجديدة لا تمثل سجلات دينية معزولة، بل تشكل جزءاً من أرشيف ملكي واسع يضم مراسلات ووثائق وطقوساً وصلوات، ما يمنح الباحثين فرصة لفهم الطريقة التي كانت بها الدولة الحيثية تتابع الأزمات الصحية والعسكرية والدينية وشؤون الأسرة الحاكمة.
ومع إضافة المكتشفات الجديدة، ارتفع عدد الألواح والقطع التي عُثر عليها في المنطقة إلى 184 قطعة، بعدما اكتشف علماء الآثار 53 لوحاً وقطعة خلال الموسم السابق. ويرجح الباحثون أن المكتشفات السابقة والجديدة تنتمي إلى الأرشيف الملكي نفسه.
وتصف وزارة الثقافة والسياحة التركية هذا الأرشيف بأنه أوسع أرشيف باللغة الحيثية يُكتشف خلال القرن الحالي، وهو ما يرفع القيمة العلمية للموقع باعتباره مصدراً مباشراً لدراسة الإدارة والدين والجيش والمجتمع الملكي في الأناضول خلال العصر البرونزي المتأخر.
وباء ينتقل بين المدن ويحصد الأطفال
من أكثر النصوص إثارة للاهتمام تلك التي تتحدث عن مرض انتشر من مدينة إلى أخرى، وكانت أعراضه تتضمن حمى شديدة، بينما تشير الوثائق إلى سقوط أعداد من الأطفال والرضع ضحايا له.
وتكشف هذه النصوص أن المرض لم يكن مجرد مشكلة صحية منفصلة عن الدولة، بل أصبح مصدر قلق داخل القصر الملكي نفسه. فقد لجأت العائلة الحاكمة إلى العرافين لاستطلاع مصير الأمراء والأميرات المرضى، في محاولة لمعرفة ما إذا كانوا سيبقون على قيد الحياة أو ستتدهور حالتهم.
ويقدم أحد الألواح صورة شديدة الخصوصية لأميرة كانت لا تزال في مرحلة الرضاعة، إذ يسجل مخاوف المحيطين بها ومحاولاتهم معرفة ما ينتظرها. بينما يوثق لوح آخر وفاتها والطقوس الجنائزية التي أقيمت لها.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأنها تنقل السجل التاريخي من مستوى أسماء الملوك والحروب والمعاهدات إلى مستوى التجربة الإنسانية المباشرة؛ فالوثائق تكشف الخوف من المرض، والقلق على الأطفال، ومحاولة تفسير الموت في مجتمع لم تكن لديه مفاهيم الطب الحديث.
حين كان العرافون جزءاً من آلية اتخاذ القرار
تكشف مجموعة أخرى من النصوص عن مكانة العرافة في المجتمع الحيثي. فقد كان العرافون يراقبون حركة الطيور وسلوكها بحثاً عن إشارات يمكن تفسيرها باعتبارها مؤشرات على المستقبل.
ولم تكتف الوثائق بتسجيل النبوءات نفسها، بل حفظت تفاصيل تحركات هؤلاء العرافين، بما في ذلك المدن التي أقاموا فيها، والطرق التي سلكوها، والطيور التي شاهدوها.
وتوفر هذه السجلات، بحسب وزارة الثقافة والسياحة، معلومات لم تكن معروفة سابقاً عن الطريقة التي تعامل بها الحيثيون مع قراءة العلامات والظواهر الطبيعية. ومن منظور تاريخي، تعكس هذه الوثائق مدى تداخل المعتقدات الدينية مع إدارة الدولة والقرارات التي اتخذتها النخبة الحاكمة.
من القصر إلى جبهة القتال
الأرشيف لا يتوقف عند الأوبئة والمعتقدات. فإحدى الوثائق تحمل رسالة وجهها قادة عسكريون حيثيون من غرب الأناضول إلى الملك، محذرين من أن أعداءهم أحاطوا بالمنطقة وأن الوضع العسكري أصبح بالغ الخطورة.
وطلب القادة إرسال جنود وخيول وعربات حربية، محذرين من احتمال تدمير الجيش إذا لم تصل التعزيزات في الوقت المناسب. ولم يكتفوا بذلك، بل حملت رسالتهم لهجة واضحة من التحذير السياسي والعسكري، إذ أكدوا أنهم لن يتحملوا مسؤولية النتائج إذا لم يستجب الملك لطلبهم.
وهذا النوع من المراسلات يقدم صورة عن طبيعة إدارة الإمبراطورية الحيثية، حيث كان المركز الملكي يعتمد على تقارير القادة في المناطق البعيدة لاتخاذ قرارات بشأن تحريك القوات والموارد.
ساموها.. مدينة في قلب شبكة الدولة الحيثية
بدأت أعمال التنقيب في كايالي بنار عام 2005، وتتولى عالمة الآثار وتاريخ الفن جيغدم مانر، الأستاذة المشاركة في جامعة كوتش، قيادة المشروع منذ عام 2021.
وتشير طبيعة الألواح إلى أن ساموها لم تكن مجرد مركز محلي، بل كانت مرتبطة بشبكة الإدارة الملكية والحملات العسكرية والطقوس الدينية. وقد كتبت الوثائق باللغتين الحيثية والحورية، ما يعكس البيئة الثقافية واللغوية المعقدة التي تحركت داخلها الدولة الحيثية.
وقال وزير الثقافة والسياحة التركي محمد نوري أرصوي إن هذه الوثائق توفر «نظرة مباشرة» إلى إدارة الدولة والتطورات العسكرية والمعتقدات الدينية وتجارب العائلة الملكية قبل نحو 3400 عام.
وثائق صغيرة تعيد بناء صورة إمبراطورية كاملة
حكم الحيثيون مساحات واسعة من الأناضول والمناطق المجاورة خلال الألفية الثانية قبل الميلاد، وكانوا من القوى الكبرى في الشرق الأدنى القديم. واستمرت دولتهم في لعب دور محوري في التوازنات الإقليمية قبل أن تنهار الإمبراطورية الحيثية في سياق الاضطرابات الكبرى التي ضربت شرق المتوسط والشرق الأدنى نحو 1200 قبل الميلاد.
وتمنح ألواح كايالي بنار الباحثين اليوم فرصة للنظر إلى تلك الدولة من الداخل، لا عبر الروايات اللاحقة عنها فقط. فبين سطورها تظهر الدولة وهي تواجه المرض والحرب، والملك وهو يتلقى تحذيرات قادته، والعائلة الحاكمة وهي تخشى على أطفالها، والعرافون وهم يبحثون عن إشارات للمستقبل.
وتكمن القيمة الأعمق لهذه المكتشفات في أنها تربط بين التاريخ السياسي والتجربة الإنسانية. فالإمبراطوريات القديمة لم تكن مجرد جيوش وملوك وحدود؛ كانت أيضاً مجتمعات تواجه الأوبئة، وتخشى فقدان أطفالها، وتبحث عن تفسير للمجهول، وتحاول في الوقت نفسه إدارة الحروب وحماية نفوذها. ولهذا فإن الأرشيف المكتشف في ساموها لا يضيف صفحات جديدة إلى تاريخ الحيثيين فحسب، بل يقدم مادة استثنائية لفهم كيفية عمل الدولة والمجتمع والاعتقاد في الأناضول قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

