تتخذ فضيحة صناديق الاستثمار في تركيا منحى أكثر تعقيداً مع الكشف عن أول حصيلة مالية واسعة للأرباح التي حققها مستثمرون وشركات من ثلاثة صناديق تخضع للتحقيق.
فقد أعلنت السلطات تحديد 214 شخصاً وشركة حققوا، وفق نتائج التحقيق الأولية، أكثر من 187 ملياراً و653 مليون ليرة من الأرباح المرتبطة بصناديق Tera وPusula وHedef Portföy، في تطور ينقل القضية من نطاق الاشتباه في تلاعبات محددة إلى فحص شبكة واسعة من المستفيدين المحتملين.
ووصفت وزارة العدل المبالغ التي يجري تتبعها بأنها «مكاسب غير مشروعة»، وأكدت أن الجهات المختصة بدأت إجراءات لاستردادها.
214 اسماً.. وأكثر من 187 مليار ليرة
وفق البيانات التي أعلنها وزير العدل التركي أكين غورليك، ركزت التحقيقات بصورة خاصة على الأشخاص والكيانات التي تجاوزت مكاسبها 100 مليون ليرة. وأسفرت هذه المرحلة من التدقيق عن تحديد 141 شخصاً طبيعياً و73 شركة أو كياناً اعتبارياً.
وبحسب الأرقام المعلنة، حقق الأشخاص الطبيعيون الـ141 مجتمعين نحو 100 مليار و676 مليون ليرة، فيما بلغت مكاسب الشركات والكيانات الـ73 نحو 86 ملياراً و977 مليون ليرة. وبذلك يصل الإجمالي إلى 187 ملياراً و653 مليون ليرة، أي حوالي 3.8 مليار دولار.
ويكتسب هذا الرقم أهميته من كونه لا يعكس مجرد حجم الأموال التي كانت موجودة في الصناديق، وإنما القيمة الإجمالية للمكاسب التي حددها التحقيق بالنسبة إلى مجموعة محددة من أصحاب المراكز الكبيرة. ولذلك فإن السؤال لم يعد يقتصر على كيفية انهيار الصناديق، بل يمتد إلى كيفية تشكل هذه الأرباح، ومن استفاد منها، ومتى خرج بعض المستثمرين من السوق.
تيرا وبوسولا في قلب الأرقام
تكشف التفاصيل اختلافاً واضحاً بين الصناديق الثلاثة.
في صناديق تيرا، حددت التحقيقات نحو 28 مليار ليرة من الأرباح حققها 102 من الأشخاص الطبيعيين، في حين بلغت أرباح 38 شركة نحو 62 ملياراً و77 مليون ليرة. وبذلك يقترب مجموع الأرباح المرتبطة بهذه المجموعة من 90.1 مليار ليرة.
أما بوسولا، فقد سجلت أعلى مستوى من الأرباح الفردية الكبيرة؛ إذ حقق 19 شخصاً نحو 69 ملياراً و700 مليون ليرة، بينما بلغت أرباح 20 شركة قرابة 10 مليارات ليرة، ليصل إجمالي المكاسب المحددة في هذا المسار إلى نحو 79.7 مليار ليرة.
وفي صناديق هدف يورتفوي، حقق 20 شخصاً نحو 2 مليار و976 مليون ليرة، بينما بلغت أرباح 15 شركة قرابة 14 ملياراً و900 مليون ليرة، ليصل الإجمالي إلى حوالي 17.9 مليار ليرة.
وتوضح هذه الأرقام أن الجزء الأكبر من الأموال محل التدقيق يتركز في تيرا وبوسولا، بينما تأتي هدف في المرتبة التالية من حيث القيمة الإجمالية.
لماذا أصبحت أيام 13 إلى 16 سبتمبر حاسمة؟
أحد أكثر محاور التحقيق حساسية يتعلق بما حدث خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 16 سبتمبر. فقد أعلن وزير العدل أن عمليات البيع التي نفذها مستثمرون خلال هذه الأيام تخضع لتدقيق خاص، بعدما خلص المحققون إلى وجود مؤشرات على أن بعض الأشخاص ربما حصلوا على معلومات مسبقة بشأن التطورات التي كانت تقترب من سوق الصناديق.
وتعمل السلطات على مقارنة توقيت عمليات الخروج، وقيمة الصفقات، والأرباح المحققة، وطبيعة المعلومات التي كان المستثمرون يمتلكونها قبل تنفيذ عمليات البيع. كما استعانت التحقيقات بأدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل كميات كبيرة من البيانات المالية وربط التحركات الزمنية للمستثمرين بالتغيرات التي طرأت على الصناديق.
وتأتي أهمية هذه الفترة من أنها سبقت مباشرة الانفجار العلني لأزمة السيولة التي دفعت السلطات إلى بدء إجراءات التصفية. لذلك فإن إثبات وجود عمليات خروج مبنية على معلومات غير متاحة لبقية المستثمرين يمكن أن يصبح عنصراً مركزياً في تحديد المسؤوليات القانونية.
من التحقيق المالي إلى استرداد الأموال
لم تكتف السلطات بتحديد أسماء أصحاب المكاسب الكبيرة، بل أرسلت قائمة الـ214 شخصاً وشركة إلى صندوق تأمين ودائع الادخار التركي، الذي بدأ بدوره إرسال إخطارات رسمية بشأن إعادة الأموال التي تعتبرها السلطات مكاسب غير مشروعة.
وبحسب وزارة العدل، من المقرر تجميع الأموال التي يتم استردادها في حسابات مخصصة لمصلحة المستثمرين المتضررين. وكان غورليك قد أكد في وقت سابق أن الأصول التي جرى التحفظ عليها، بما فيها العقارات والمركبات والحسابات المصرفية، يمكن استخدامها أيضاً في إطار آلية أنشأها صندوق تأمين ودائع الادخار للمساعدة في تغطية مستحقات أصحاب الحقوق.
غير أن الخطوة الحالية لا تعني أن عملية التعويض انتهت. فاسترداد الأموال من أصحاب المكاسب المحتملين يتطلب تحديد الملكية القانونية للأصول، وفصل الأرباح الأصلية عن الأموال الأخرى، واستكمال الإجراءات القضائية والإدارية اللازمة.
الأزمة أكبر من قائمة الـ214
تكشف أرقام الـ187.6 مليار ليرة جانباً واحداً فقط من أزمة أوسع ضربت سوق صناديق الاستثمار التركية. ففي 17 سبتمبر، أمرت هيئة أسواق المال التركية بتصفية 131 صندوقاً تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ، فيما بلغ عدد المستثمرين الأفراد الفريدين المتأثرين بهذه الصناديق 455 ألفاً و758 مستثمراً وفق سجلات مركز التسجيل المركزي.
وأظهرت تقارير دولية أن الأزمة شملت أصولاً تقدر بنحو 20 مليار دولار، وأن بعض الصناديق سجلت عوائد استثنائية قبل الانهيار، بينما كانت تحذيرات بشأن احتمال التلاعب في السوق موجودة منذ أواخر عام 2025. وأشارت رويترز إلى أن صندوق TLY التابع لتيرا حقق عوائد ضخمة بصورة غير معتادة قبل انهياره، في وقت توسعت فيه التحقيقات لتشمل مئات الأشخاص.
وهنا تكمن المسألة الأكثر تعقيداً: الأزمة لا تتعلق فقط بمن حصل على الأموال، وإنما أيضاً بكيفية السماح بتراكم المخاطر، وما إذا كانت آليات الرقابة قد التقطت الإشارات التحذيرية في الوقت المناسب.
أموال المستثمرين تدخل مرحلة التعويض
وفي موازاة التحقيقات، بدأت السلطات التحرك لتخفيف أثر الأزمة على صغار المستثمرين. فقد أعلن نائب الرئيس جودت يلماز بدء مدفوعات لنحو 43 ألفاً و643 مستثمراً في 17 صندوقاً، مع التأكيد أن أموال الخزانة لن تستخدم لتغطية الخسائر الخاصة. كما يجري العمل على إطار قانوني يسمح بدفعات مؤقتة تصل إلى مليون ليرة من أصل استثمارات بعض المتضررين، على أن تخصم هذه المدفوعات لاحقاً من مستحقاتهم النهائية.
وفي الثامن من أكتوبر، أعلن أحد نواب حزب العدالة والتنمية أن مشروع قانون مؤقتاً لتنظيم تصفية الصناديق وآليات الدفع سيحال قريباً إلى البرلمان، بهدف توفير إطار قانوني أوضح لحماية المستثمرين وإدارة عمليات التصفية.
أما البنك المركزي التركي، فأكد أن الأزمة لا تمثل، وفق تقييمه الحالي، خطراً نظامياً على القطاع المالي، مشيراً إلى إجراءات لدعم السيولة، بينها زيادة تمويل عمليات إعادة الشراء إلى 300 مليار ليرة، بينما ارتفعت الودائع المصرفية بنحو 800 مليار ليرة مع انتقال جزء من الأموال الخارجة من الصناديق إلى البنوك.
أسماء معروفة وضغط سياسي متزايد
في الوقت نفسه، أخذ التحقيق بعداً سياسياً بعدما ظهر اسم وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية السابقة فاطمة بتول صيان كايا وزوجها ضمن المشتبه بهم في القضية. وقد أدلى الزوجان بإفادتيهما أمام النيابة، ودفعا بأنهما لم يتلقيا معلومات خاصة أو توجيهات بشأن تداولاتهما، بينما أعادا نحو 1.86 مليار ليرة إلى حساب مخصص لدى صندوق تأمين ودائع الادخار، لكنهما احتفظا بفوائد تلك الأموال التي تبلغ الملايين، وفق ما أوردته تقارير تركية. ولا تزال القضية بحوزة القضاء، كما يُنتظر تحرك إضافي من هيئة أسواق المال بشأن المسؤولية القانونية.
وفي الثامن من أكتوبر، رفع نائب وزير الداخلية بولنت توران سقف الانتقادات داخل أوساط الحكومة، مؤكداً أن المسؤولية لا ينبغي أن تقتصر على من ارتكب المخالفة، بل تشمل أيضاً من كان يفترض أن يراقب أو يتدخل ولم يفعل. ودعا أصحاب المسؤولية إلى اتخاذ خطوات قبل أن تتدخل القيادة السياسية، في تعبير يعكس اتساع النقاش من مسألة الأرباح غير المشروعة إلى سؤال الرقابة المؤسسية.
السؤال الأصعب: من كان يعرف ومتى؟
في هذه المرحلة، لا تكمن أهمية قائمة الـ214 في العدد وحده، بل في المعلومات التي ستكشفها التحقيقات حول توقيت المعرفة وتوقيت الخروج.
فالفارق القانوني كبير بين مستثمر حقق أرباحاً مرتفعة نتيجة مخاطرة استثمارية مشروعة، ومستثمر حصل على معلومات غير متاحة للسوق واستغلها قبل الآخرين. ولهذا تكتسب عمليات البيع بين 13 و16 سبتمبر أهمية خاصة؛ إذ تسعى السلطات إلى معرفة ما إذا كانت تلك التحركات تعكس قراراً استثمارياً عادياً أم استفادة من معلومات داخلية.
كما أن توزيع الأرباح بين الأفراد والشركات يطرح سؤالاً آخر يتعلق بالروابط المالية بين المستثمرين ومديري المحافظ والشركات الوسيطة والأطراف الأخرى التي كانت تمتلك القدرة على التأثير في حركة الأموال أو الأسعار.
وفي المقابل، يبقى من الضروري قانونياً وإعلامياً عدم تحويل القائمة الأولية إلى قائمة إدانة. فوجود اسم شخص أو شركة ضمن التحريات يعني الخضوع للفحص، وليس صدور حكم نهائي بحقه.
اختبار للرقابة والثقة في السوق
أزمة الصناديق أصبحت بذلك اختباراً مزدوجاً: اختباراً لقدرة القضاء على تتبع الأموال واستردادها، واختباراً لقدرة المؤسسات المالية والرقابية على منع تكرار الأزمة.
فالـ187.6 مليار ليرة التي حددتها التحقيقات لدى 214 شخصاً وشركة تمثل رقماً ضخماً، لكن الأهم منه هو ما ستكشفه التحقيقات عن مسار هذه الأموال: من أين جاءت، وكيف تحركت، ومن كان يعلم بتدهور الوضع، ولماذا تمكن بعض المستثمرين من الخروج قبل الآخرين.
ومع بدء صندوق تأمين ودائع الادخار في مخاطبة أصحاب المكاسب، واستمرار التحقيقات في عمليات الخروج المبكر، وتقدم مشروع قانون جديد لتنظيم التصفية والتعويضات، تدخل القضية مرحلة مختلفة. لم يعد السؤال فقط عن حجم الخسارة التي تكبدها مئات الآلاف من المستثمرين، بل عن مدى إمكانية إعادة بناء الثقة في سوق رأس المال عبر كشف المسؤوليات، واسترداد الأموال، وتعزيز الرقابة، وضمان ألا تتحول التحذيرات المبكرة مستقبلاً إلى أزمات بعد فوات الأوان.

