فتحت النيابة العامة في إسطنبول، أمس الاثنين تحقيقاً بشأن أشخاص نشروا وثائق مصنفة سرية تتعلق بالتحقيقات الجارية في أزمة الصناديق الاستثمارية، في تطور جديد يوسّع نطاق القضية من الاشتباه في التلاعب بالأسواق إلى مساءلة من يتداولون معلومات التحقيق، بالتزامن مع توقيف صحفيين وفرض قيود على تغطية القضية.
وأفادت وكالة الأناضول الرسمية بأن النيابة العامة قالت إن وثائق مرتبطة بالتحقيق ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع رقمية أخرى، من دون الكشف عن أسماء الأشخاص المستهدفين أو تحديد الوثائق التي جرى تداولها.
وأوضحت النيابة أنها وجّهت تعليمات وطلبات رسمية إلى هيئة أسواق المال التركية، وبورصة إسطنبول، ومركز الإيداع المركزي للأوراق المالية، واتحاد المصارف التركية، إلى جانب مؤسسات أخرى، في إطار متابعة القضية.
واستندت النيابة إلى المادة ٢٨٥ من قانون العقوبات التركي، التي تجرّم، وفق الشروط المنصوص عليها قانوناً، الانتهاك العلني لسرية التحقيق، وتجيز فرض عقوبة بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات أو غرامة مالية. لكن المادة نفسها تنص على أن التغطية الصحفية للتحقيقات والمحاكمات، ضمن الحدود القانونية للعمل الإعلامي، لا تشكل جريمة بحد ذاتها.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: حماية سرية التحقيق حق قانوني، لكن تطبيقه يستلزم التمييز بين نشر وثائق محمية بصورة غير مشروعة وبين العمل الصحفي الذي يخدم المصلحة العامة. ويتوقف تقييم الإجراءات على طبيعة المعلومات المنشورة، والأساس القانوني للقيود المفروضة، ومدى احترام ضمانات حرية التعبير.
أزمة مالية تمس مئات الآلاف من المستثمرين
اندلعت الأزمة في منتصف سبتمبر، عندما عجزت بعض الصناديق عن تلبية طلبات المستثمرين الراغبين في سحب أموالهم، ما أثار موجة بيع في سوق الأسهم وفتح الباب أمام تحقيقات بشأن شبهات التلاعب بالأسعار والمعاملات المالية.
وأمرت هيئة أسواق المال بتصفية ١٣١ صندوقاً تديرها سبع شركات لإدارة المحافظ الاستثمارية، بعدما تجاوزت الأصول المعلنة لهذه الصناديق ٨٩٠ مليار ليرة، أي نحو ١٨ مليار دولار وفق سعر الصرف آنذاك. وأشارت البيانات الرسمية إلى أن عدد المستثمرين الأفراد المتأثرين بلغ ٤٥٥ ألفاً و٧٥٨ شخصاً.
ولا تكمن خطورة الأزمة في حجم الأموال وحده، بل في اهتزاز الثقة بآليات إدارة المخاطر والرقابة على الأسواق. فعندما يعجز المستثمرون عن استرداد أموالهم، تتجاوز التداعيات حدود الصناديق المعنية لتطال توقعات المتعاملين وسلوكهم، وقد تدفعهم إلى سحب أموالهم من أدوات استثمارية أخرى خشية انتقال العدوى.
وفي هذا السياق، أعلن محافظ البنك المركزي التركي، فاتح قره خان، في ٦ أكتوبر أن الأزمة لا تشكل، وفق تقييم البنك، خطراً نظامياً على القطاع المالي الأوسع. وأشار إلى إجراءات لدعم السيولة، شملت زيادة تمويل إعادة الشراء إلى ٣٠٠ مليار ليرة، وتوسيع حدود الاقتراض المصرفي، وتخفيف متطلبات الضمانات، وتسريع شراء السندات. كما أفاد بارتفاع الودائع المصرفية بنحو ٨٠٠ مليار ليرة خلال فترة الأزمة، مؤكداً استعداد البنك لاتخاذ خطوات إضافية عند الحاجة.
وفي ٨ أكتوبر، أُعلن أن مشروع قانون مؤقتاً لتنظيم تصفية الصناديق سيُعرض قريباً على البرلمان، بهدف وضع قواعد أوضح لعمليات التصفية والسداد وحماية صغار المستثمرين. وتظل النتائج الفعلية لهذه التدابير مرتبطة بسرعة التنفيذ، ودقة تقييم الأصول، ووضوح آليات تعويض المستثمرين.
توقيف صحفيين وفرض الإقامة الجبرية
تزامنت التحقيقات المالية مع إجراءات قضائية طالت صحفيين تناولوا الصلات السياسية المحتملة للأزمة. ففي ٩ أكتوبر، قررت محكمة في إسطنبول توقيف مصطفى بالجي، محرر صحيفة «سوزجو»، وشابان سيفينتش، رئيس تحرير قناة «بيزيم تي في» الإخبارية عبر الإنترنت، احتياطياً على ذمة المحاكمة، بتهمة نشر معلومات مضللة علناً.
وفي اليوم التالي، فُرضت الإقامة الجبرية على الصحفيين إسماعيل صايماز ومراد آغيريل، بعدما طعنت النيابة في قرار سابق بإخلاء سبيلهما تحت الرقابة القضائية.
وتتعلق الأسئلة والتحقيقات بتقارير صحفية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تناولت روابط مزعومة بين شخصيات من حزب العدالة والتنمية الحاكم، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، وأشخاص وردت أسماؤهم في التحقيق المتعلق بالصناديق.
أسئلة عن النفوذ السياسي وقيود على النشر
أفاد موقع «بيانت» الإخباري المستقل، يوم الأحد ١١ أكتوبر، بأن محكمة في إسطنبول حجبت ثلاثة تقارير تناولت أسئلة وجّهها النائب المعارض أحمد شيك بشأن الروابط السياسية المحتملة في أزمة الصناديق.
وتساءل شيك عما إذا كان مسؤولون حكوميون أو أقارب لهم قد حصلوا على فرصة مبكرة للاستثمار في صندوق تديره شركة «تيرا»، وهي إحدى الشركات التي تخضع صناديقها للتحقيق. كما أثار تساؤلات حول احتمال سحب مستثمرين مبالغ كبيرة من صناديق «تيرا» و«بوسولا» قبل أن يواجه المستثمرون العاديون صعوبة في استرداد أموالهم. ولم تثبت هذه الادعاءات بصورة مستقلة.
وتناول تقرير آخر ادعاءً لشيك بشأن إقامة وزير العدل أكين غورليك وزوجته، وهي عضو في مجلس إدارة هيئة أسواق المال، في شقة بإسطنبول تبلغ كلفة إيجارها نحو ١٥ ألف دولار شهرياً، مع تحمّل أطراف أخرى قيمة الإيجار. ونفى محامي الوزير هذه المزاعم، مؤكداً أن الزوجين يقيمان في سكن توفره الحكومة، ومعلناً اتخاذ إجراءات قضائية مدنية وجنائية ضد النائب. ولم يثبت الادعاء المتعلق بالإيجار بصورة مستقلة.
وذكر «بيانت» أن رئاسة الأمن السيبراني طلبت منه حذف التقارير خلال أربع ساعات، استناداً إلى قرار الحجب، لكنه قال إنه لم يتلقَّ تعليلاً قضائياً يوضح الأساس التفصيلي للقرار.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن الصناديق الاستثمارية تجمع أموال الأفراد لاستثمارها في الأسهم والأصول الأخرى، ما يجعل الشفافية بشأن إدارتها وتوقيت الدخول والخروج منها مسألة ترتبط مباشرة بتكافؤ الفرص وحماية المدخرات.
تداعيات سياسية واتساع نطاق التحقيق
لم تبقَ الأزمة داخل الإطار المالي والقضائي. ففي سبتمبر، استقالت فاطمة بتول سايان كايا، الوزيرة السابقة لشؤون الأسرة والقيادية في حزب العدالة والتنمية، من مواقعها القيادية في الحزب بعد ظهور ادعاءات تتعلق بصفقات أسهم أجرتها.
وفي تطور لاحق، أفادت رويترز في ٧ أكتوبر بأن كايا وزوجها أُدرجا ضمن المشتبه بهم في التحقيق، وكان مقرراً أن يدليا بإفادتيهما أمام وحدة جرائم غسل الأموال التابعة للنيابة العامة في إسطنبول. كما كان متوقعاً أن تتقدم هيئة أسواق المال بشكاوى جنائية بحقهما بموجب قانون أسواق رأس المال. ويظل إدراجهما ضمن المشتبه بهم إجراءً تحقيقياً لا يساوي الإدانة.
وتشير هذه التطورات إلى أن القضية باتت تختبر قدرة المؤسسات التركية على الجمع بين ملاحقة المخالفات المالية، وحماية حقوق المستثمرين، وضمان استقلال الإجراءات القضائية عن الحسابات السياسية. كما أن القيود التي طالت تقارير صحفية وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وفق تقارير منظمات إعلامية وحقوقية، زادت حدة الجدل بشأن حدود الرقابة على المعلومات المرتبطة بالأزمة.
الثقة هي الاختبار الأصعب
تجمع أزمة الصناديق الاستثمارية التركية بين خسائر مالية محتملة، وتحقيقات في شبهات التلاعب، وأسئلة عن تضارب المصالح، وإجراءات قضائية بحق صحفيين، وقيود على نشر معلومات مرتبطة بالقضية.
وتتوقف استعادة الثقة على أكثر من استقرار الأسواق أو توفير السيولة. فهي تتطلب توضيح المسؤوليات، والإفصاح عن نتائج التحقيقات بالقدر الذي يسمح به القانون، وضمان معاملة المستثمرين وفق قواعد عادلة، وإتاحة المجال أمام الصحافة لمتابعة المسائل ذات المصلحة العامة من دون الإخلال بسرية الإجراءات القضائية.
وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح معالجة الأزمة بحجم الأموال التي ستُصفّى أو بعدد الأشخاص الذين ستشملهم التحقيقات فقط، بل بقدرة المؤسسات على تقديم إجابات موثوقة، وحماية صغار المستثمرين، وإثبات أن قواعد السوق والقانون تسري على الجميع دون استثناء.

