يستعرض وثائقي «كولن: الإخلاص للتعليم والحوار» مسيرة حركة الخدمة في أكثر من مئة دولة، ويتتبع التحولات التي فرضها الخلاف مع الحكومة التركية على مؤسساتها وأتباعها، فيما يفتح غياب مؤسسها الباب أمام أسئلة القيادة والهوية واستمرار العمل المدني خارج تركيا.
عمل وثائقي يتجاوز السيرة الشخصية
تستعد قناة «كولن دوكيومنتري» على يوتيوب لعرض فيلم وثائقي جديد بعنوان GULEN: Devoted to Education & Dialogue، يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في عمل يتناول الأفكار التي أسس عليها الأستاذ الراحل فتح الله كولن مشروعه التعليمي والاجتماعي، والمصير الذي تواجهه الحركة المرتبطة به بعد سنوات من المواجهة مع السلطات التركية، ثم وفاة مؤسسها.
ويأتي العرض قبل ثلاثة أيام من الذكرى السنوية الثانية لوفاة كولن، الذي توفي في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024 عن 83 عاماً، في مستشفى بولاية بنسلفانيا الأمريكية، بعد سنوات من تدهور حالته الصحية. وأفاد الطبيب الشرعي المحلي بأن وفاته كانت لأسباب طبيعية.
ويمتد الفيلم على مدار 90 دقيقة، ويضم شهادات 35 مشاركاً من 14 دولة، بينهم باحثون وأكاديميون ومراقبون وأشخاص عرفوا كولن أو شاركوا في الحركة التي استلهمت أفكاره. وأخرج العمل أحمد أونال، وأنتجته شركة «رايندروبس برودكشنز» (Raindrops Productions LLC)، فيما تولى رضوان كيزيل تبه تنسيق المشروع.
ووفقاً للقائمين عليه، يتألف الفيلم من تسعة فصول موضوعية، يبدأ بعضها باستعادة لقاءات شخصية مع كولن، قبل الانتقال إلى دراسة تأثير أفكاره في المجتمعات المختلفة، ثم تناول المواجهة مع الحكومة التركية، وتداعيات محاولة الانقلاب عام 2016، وما أعقبها من اعتقالات وإغلاق مؤسسات وموجات لجوء إلى الخارج.
وتكمن أهمية العمل في أنه لا يقتصر على استعراض سيرة رجل دين مثير للجدل، بل يحاول بحث مصير شبكة اجتماعية عابرة للحدود بعد غياب الشخصية التي أسهمت في تشكيل مرجعيتها الفكرية. ومن ثم، يجمع موضوعه بين التاريخ الديني والاجتماعي، والصراع السياسي، وأسئلة الاستمرارية التنظيمية في المنفى.
التعليم والحوار: الركيزتان الأساسيتان في فكر كولن
احتل التعليم موقعاً مركزياً في رؤية كولن، الذي دعا أتباعه إلى إنشاء مدارس تجمع بين العلوم والمعارف الأكاديمية والتربية الأخلاقية. وكان يؤكد أن الإيمان الديني لا يتعارض بالضرورة مع المعرفة العلمية، وأن بناء الإنسان يحتاج إلى الجمع بين التحصيل العلمي والمسؤولية الأخلاقية.
وساعد هذا التصور على توسع حركة «الخدمة» (Hizmet)، وهي كلمة تركية تعني الخدمة، لتصبح شبكة دولية من المؤسسات التعليمية والخيرية والمهنية، إلى جانب منظمات تسعى إلى تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، كانت مؤسسات مرتبطة بالحركة تعمل في أكثر من مئة دولة عند وفاة كولن، وامتد انتشارها من آسيا الوسطى وأفريقيا إلى أوروبا والولايات المتحدة. وأصبحت المدارس أكثر مؤسسات الحركة ظهوراً، إلى جانب الجمعيات الخيرية والروابط المهنية والمنتديات التي تجمع أشخاصاً من خلفيات دينية وثقافية مختلفة.
ويتناول الوثائقي كذلك تصورات كولن بشأن العلاقة بين العلم والإيمان، ومفاهيم السلام والتغيير الاجتماعي، وكيف انعكست هذه الأفكار على أنشطة الحركة في البلدان التي انتشرت فيها.
ولا يمكن فهم هذا الامتداد باعتباره انتشاراً دينياً فحسب؛ فقد أتاحت المؤسسات التعليمية والمهنية بناء شبكات اجتماعية واقتصادية، وأسهمت في تشكيل علاقات بين أفراد من مجتمعات مختلفة. وفي المقابل، جعل هذا التوسع الحركة أكثر ارتباطاً بالتطورات السياسية في تركيا، حيث تحولت علاقتها بالسلطة من التقارب إلى المواجهة.
من الانفتاح الديني إلى بناء جسور دولية
كان الحوار بين الأديان أحد المحاور التي شجعها كولن، ومن أبرز محطاته لقاؤه بالبابا يوحنا بولس الثاني عام 1998. وجاء اللقاء في إطار مساعٍ لفتح قنوات تواصل بين التقاليد الدينية المختلفة، وهي مساعٍ تابعها أتباعه لاحقاً من خلال تأسيس مؤسسات ومنظمات للحوار والتفاهم المتبادل.
ويخصص الفيلم مساحة لهذه التجربة، إلى جانب شهادات عن أثر أفكار كولن في المجتمعات التي وصلت إليها الحركة. غير أن تقييم هذا الإرث يظل مرتبطاً أيضاً بالسياق السياسي الذي نشأت فيه المؤسسات، وبالخلافات التي أحاطت بعلاقة الحركة بحكومة أردوغان ونفوذها في بعض قطاعات المجتمع.
من التحالف مع أردوغان إلى المواجهة المفتوحة
شهدت علاقة كولن وحركته بحكومة رجب طيب أردوغان تحولاً جذرياً خلال العقدين الماضيين. ففي المرحلة الأولى، تقاطعت مصالح الطرفين في مواجهة نفوذ المؤسسة العسكرية والنخب العلمانية التي احتفظت بدور مؤثر في الحياة السياسية التركية. وأسهم هذا التقارب في تعزيز حضور الحركة داخل المجتمع، قبل أن تتفاقم الخلافات بشأن سياسات الحكومة وموازين النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وتعمق الخلاف مع اندلاع تحقيقات فساد في ديسمبر/كانون الأول 2013، طالت شخصيات من الدائرة المقربة من أردوغان. ونفى الرئيس التركي اتهامات الفساد، واتهم أنصار كولن بالسعي إلى إنشاء ما وصفه بـ«دولة موازية» داخل الشرطة والقضاء.
وجاءت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016 لتدفع المواجهة إلى مرحلة أكثر حدة. وأسفرت الأحداث عن مقتل 251 شخصاً، فيما حملت الحكومة كولن وحركته مسؤولية تدبير الانقلاب. لكن كولن نفى بشدة أي تورط، وأدان المحاولة الانقلابية.
وكان ؛ولن قد انتقل إلى الولايات المتحدة عام 1999 لتلقي العلاج الطبي، وظل مقيماً فيها حتى وفاته. وطلبت أنقرة تسليمه، غير أن واشنطن طلبت أدلة إضافية ولم تسلمه إلى تركيا، ولم توجه السلطات الأمريكية إليه اتهاماً جنائياً.
ومنذ ذلك الحين، تحولت الحركة من شبكة واسعة تنشط في التعليم والعمل الخيري إلى موضوع رئيسي في السياسات الأمنية التركية. وأصبحت مؤسساتها وأتباعها يواجهون تداعيات صراع لم يعد مقتصراً على الخلاف السياسي، بل امتد إلى الوظائف العامة والأنشطة الاقتصادية والتعليمية والإعلامية.
الملاحقات بالأرقام: اتساع القضية بعد عقد من الانقلاب
تكشف الأرقام الرسمية عن حجم الإجراءات القضائية التي أعقبت محاولة الانقلاب. ففي يوليو/تموز 2026، أعلن وزير العدل التركي أكين غورليك أن أكثر من 720 ألف شخص خضعوا لإجراءات قانونية منذ عام 2016، وأن أكثر من 127 ألفاً صدرت بحقهم أحكام إدانة.
وأضاف أن التحقيقات أو المحاكمات المتعلقة بـ83,404 أشخاص كانت لا تزال جارية، فيما بلغ عدد المحتجزين في السجون على خلفية اتهامات بالانتماء إلى الحركة أو المشاركة في محاولة الانقلاب 10,485 شخصاً.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق الملاحقات، لكنها لا تعني أن جميع الملفات متطابقة في طبيعتها أو أدلتها أو أحكامها. فالتقييم القانوني لكل قضية يظل مرتبطاً بوقائعها وإجراءاتها والأدلة المقدمة فيها.
وتؤكد السلطات التركية أن الحركة ما زالت تمثل تهديداً أمنياً، وأن الإجراءات المتخذة تستهدف شبكات مرتبطة بمحاولة الانقلاب. في المقابل، يرى مؤيدو الحركة أن الملاحقات تجاوزت المسؤولية الجنائية الفردية وألحقت أضراراً واسعة بأشخاص بسبب انتماءاتهم أو علاقاتهم الاجتماعية والدينية.
وشملت التدابير التي أعقبت الانقلاب الغامض اعتقال عشرات الآلاف، وفصل قرابة 130 ألف موظف من الخدمة العامة بموجب مراسيم الطوارئ، وإغلاق مدارس وشركات ومؤسسات إعلامية مرتبطة بالحركة. ولم تتوقف آثار هذه الإجراءات عند حدود تركيا، بل دفعت أشخاصاً متهمين بوجود صلات بالحركة إلى مغادرة البلاد.
وبعض هؤلاء سلك طرقاً محفوفة بالمخاطر، منها عبور نهر إيفروس إلى اليونان أو محاولة الوصول بحراً باستخدام قوارب صغيرة. وهكذا تحول المنفى إلى تجربة تتجاوز الانتقال الجغرافي، لتشمل فقدان الوظائف، وتفكك الروابط الاجتماعية، وإعادة بناء الحياة في بيئات جديدة.
المنفى واختبار قدرة الحركة على الصمود
في هذا السياق، يطرح الوثائقي سؤالاً محورياً حول قدرة حركة الخدمة على مواصلة أنشطتها بعد وفاة مؤسسها، وفي ظل تشتت أتباعها وتراجع قدرتها على العمل داخل تركيا.
ويقدم سكوت سي. ألكسندر، أستاذ الدراسات الإسلامية في الاتحاد اللاهوتي الكاثوليكي بمدينة شيكاغو، وعضو مجلس إدارة «تحالف القيم المشتركة» المرتبط بالحركة، قراءة تركز على قدرة المشاركين على تجاوز آثار الملاحقات والصدمة النفسية.
ويرى ألكسندر أن مستقبل الحركة يعتمد على أفرادها وقدرتهم على تحمل ما يصفه بتحدٍّ بالغ القسوة، يتمثل في مواجهة دولة تمتلك أدوات اقتصادية وسياسية، وإلى حد ما عسكرية، وتستخدمها ضد مدنيين غير مسلحين. ويشير في الفيلم إلى أن كثيرين داخل الحركة تعرضوا لصدمة نفسية، لكنه يعتقد أنها لا تزال قادرة على تجاوز آثارها.
وتكشف هذه الشهادة عن جانب مهم من تجربة المنفى: فاستمرار المؤسسات لا يعتمد فقط على وجود الموارد أو الأفكار، بل يتطلب أيضاً إعادة بناء الثقة بين الأفراد، والحفاظ على الروابط بين المجتمعات المشتتة، وتوفير مسارات تعليمية ومهنية للأجيال الجديدة.
ومع ذلك، فإن قدرة الحركة على البقاء لا تعني بالضرورة احتفاظها بشكلها السابق. فقد تفرض الظروف الجديدة تغييرات في أساليب العمل، وفي العلاقة بين المؤسسات المحلية والشبكات الدولية، وفي طبيعة الأولويات التي تحددها المجتمعات المقيمة خارج تركيا.
الدولة والمجتمع المدني: قراءة في جذور الصراع
يتناول الوثائقي كذلك طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، وهي مسألة يركز عليها أنور عالم، الباحث في العلاقات الدولية والحركات الإسلامية، وأحد المشاركين في الفيلم.
ويرى عالم أن تشجيع كولن على المشاركة المدنية تحدى تقاليد سياسية تضع الدولة في مركز الحياة العامة وتمنحها دوراً واسعاً في تنظيم المجتمع. ويقول إن حركة الخدمة كانت تسعى، من وجهة نظره، إلى تعميق الديمقراطية، بينما وجدت الدولة نفسها أمام مجتمع مدني لم يعد خاضعاً بالكامل لسيطرتها.
النساء والأجيال الجديدة: تحديات ما بعد المؤسس
لا يغفل الفيلم التحولات الداخلية التي تواجه الحركة، ومنها مساعي النساء للحصول على دور أكبر في صنع القرار، والصعوبات المرتبطة بنقل القيم إلى الأجيال الشابة.
وتكتسب هذه المسائل أهمية خاصة في المنفى، حيث تتغير الظروف الاجتماعية والثقافية، ويكبر أبناء الأسر المهاجرة داخل مجتمعات تختلف عن البيئة التي تشكلت فيها تجارب آبائهم. كما أن استمرار المؤسسات يحتاج إلى تجديد القيادة وتوسيع المشاركة، لا إلى الاكتفاء باستعادة أفكار المؤسس.
وتطرح هذه الأسئلة تحدياً تنظيمياً وفكرياً: كيف يمكن الحفاظ على هوية مشتركة دون تحويلها إلى إطار جامد؟ وكيف يمكن التوفيق بين المرجعية الفكرية لكولن ومتطلبات المجتمعات الجديدة؟ وما مدى قدرة المؤسسات على تطوير آليات أكثر وضوحاً للمساءلة وصنع القرار؟
ويخصص الفصل الأخير من الوثائقي لهذه المسألة، متناولاً مستقبل حركة الخدمة في غياب الشخصية الدينية التي جمعت أتباعها حول منظومة من الأفكار والممارسات.
إرث مفتوح على احتمالات متعددة
يأتي عرض الفيلم في الذكرى الثانية لوفاة كولن، في وقت لا تزال فيه المواجهة بين الحكومة التركية والحركة المرتبطة به تؤثر في حياة آلاف الأشخاص وفي المؤسسات التي نشأت خلال عقود من النشاط التعليمي والاجتماعي.
ومن المقرر نشر مقاطع تشويقية ومقتطفات من المقابلات قبل العرض عبر قناة «Gulen Documentary» على يوتيوب. ويتيح تنوع المشاركين في الفيلم، القادمين من 14 دولة، النظر إلى التجربة من زوايا تعليمية واجتماعية وسياسية، وإن ظل تقييم العمل مرتبطاً بطبيعة الشهادات التي يقدمها ومدى تنوع وجهات النظر فيه.
وفي المحصلة، يفتح الوثائقي ثلاثة ملفات مترابطة: إرث التعليم والحوار الديني، وتداعيات الصدام الطويل بين الحركة وحكومة أردوغان، ثم إمكان استمرار المؤسسات العابرة للحدود بعد وفاة مؤسسها.
ولا يمكن اختزال مستقبل الحركة في استمرار أفكار كولن وحدها؛ فهو يتوقف أيضاً على قدرتها على إعادة تنظيم مؤسساتها، والتعامل مع التحديات القانونية والاجتماعية، وتجديد المشاركة بين الأجيال، والحفاظ على الروابط بين أتباعها في المنفى.

