تعرضت اليوم قناة تركية جديدة مستقلة لاقتحام أمني ووقف للبث المباشر وتحقيقات مالية تطال مالك القناة، في تطور يعيد ملف حرية الصحافة إلى واجهة المشهد السياسي التركي، بالتزامن مع تحولات داخل المعارضة وتوسع إجراءات حجب المنصات الإعلامية.
السيطرة على القناة وإجراءات أمنية واسعة
شهدت تركيا الأربعاء تطوراً لافتاً في المشهد الإعلامي، بعدما وُضعت قناة «خلق تي في» (Halk TV)، إحدى أبرز المنصات التلفزيونية القريبة من المعارضة، تحت إدارة أوصياء عينتهم السلطات، بالتزامن مع مداهمة أمنية لمقرها في إسطنبول وتعليق بثها المباشر.
وأفادت القناة بأن الشرطة أغلقت الطريق المؤدي إلى المبنى ومنعت العاملين من الدخول أثناء التفتيش. وقالت مراسلتها غمزة ألتوناي إن مئات العناصر الأمنية شاركوا في العملية.
ورفض المسؤولون الجدد طلب رئيس التحرير سعاد توكتاش استمرار البرامج المباشرة، فيما امتنع الأخير عن التعاون مع الإدارة المعينة، معتبراً الإجراء غير قانوني. وذكر موقع «ميديا رادار» أن القناة واصلت عرض تسجيلات لبرامج سابقة بدلاً من البث الحي.
اتهامات مالية وتعيين أوصياء على الشركات
أعلنت النيابة العامة في إسطنبول أن العملية تستند إلى تحقيق يستهدف مالك القناة، رجل الأعمال جعفر ماهر أوغلو، بشبهات الرشوة والتلاعب بالمناقصات وغسل الأموال.
وشملت أوامر التوقيف 17 مشتبهاً به، اعتُقل منهم 11، بينما يوجد أربعة خارج البلاد، وآخر داخل السجن، وتواصل الشرطة البحث عن شخص إضافي.
وقررت السلطات تعيين صندوق تأمين الودائع الادخارية التركي (TMSF) وصياً على القناة وشركات مرتبطة بمالكها.
وبحسب الادعاء، دُفعت رشاوى غير مسجلة بقيمة 14.46 مليون ليرة، تعادل نحو 293 ألف دولار، مرتبطة بمناقصات بلدية إزمير الكبرى، قبل تحويل عائداتها إلى شركات يملكها ماهر أوغلو أو يرتبط بها. واستند المحققون إلى تقارير استخبارات مالية وشهادات شهود.
وأضافت النيابة أن رجل الأعمال مطلوب أيضاً في تحقيق منفصل يتعلق بمناقصات بلدية إسطنبول الكبرى، وأنه غادر تركيا في 10 مارس/آذار 2025. وتبقى هذه الاتهامات ادعاءات قضائية لم تثبت بحكم نهائي.
انقسامات المعارضة وتبادل الاتهامات
تزامنت القضية مع إعادة تشكيل التوازنات الحزبية التركية. فقد انتقل رئيس بلدية إزمير، جميل توغاي، المنتخب عن حزب الشعب الجمهوري عام 2024، إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم في 7 أكتوبر، بعدما غادر حزبه السابق في يونيو. وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن إزمير، ثالث أكبر المدن التركية، ظلت معقلاً للمعارضة لأكثر من عقدين.
وسبق المداهمة خلاف علني بين القناة وكمال كليجدار أوغلو، الذي استعاد رئاسة حزب الشعب الجمهوري بحكم قضائي في مايو، بعد إبطال المؤتمر الحزبي الذي فقد فيه القيادة عام 2023.
واتهم كليجدار أوغلو القناة، خلال مقابلة تلفزيونية في 9 أكتوبر، بنشر أخبار كاذبة باستمرار، وتساءل عن إقامة مالكها خارج تركيا. وأشار إلى شكاوى قدمها مقربون منه لهيئة تنظيم البث التلفزيوني، التي اعتبرت القضية خارج اختصاصها.
ورد ماهر أوغلو باتهام كليجدار أوغلو باستهداف الإعلام المستقل والسياسيين المعارضين المنتخبين، كما انتقده عقب المداهمة دون التطرق في منشوره الأول إلى الاتهامات المالية.
في المقابل، أدان أوزغور أوزيل، رئيس «الحزب الجديد»، العملية، معتبراً اقتحام قناة تلفزيونية وتعيين أوصياء عليها ممارسة تتعارض مع الحريات الديمقراطية. وتعهد بدعم العاملين فيها، مشبهاً الإجراء بتعيين أوصياء بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين.
وكان أوزيل قد أسس حزبه الجديد في يوليو مع 90 نائباً غادروا حزب الشعب الجمهوري بعد عودة كليجدار أوغلو إلى قيادته.
تضييق رقمي وانتقادات دولية متزايدة
تأتي التطورات بعد حجب موقع «تي 24» وحساباته في 30 سبتمبر، بقرار قضائي استند إلى 118 مادة إعلامية اعتبرتها النيابة ترويجاً للمثلية الجنسية. ورفض الموقع الاتهامات، مؤكداً تعرضه لحملة تشهير.
وأفادت جمعية حرية التعبير التركية «إيفود» بصدور أوامر لحجب 1270 حساباً على منصة «إكس» خلال سبتمبر، نُفذ نحو 90% منها داخل تركيا. وطالت الإجراءات صحفيين وأكاديميين واقتصاديين ومؤسسات حقوقية، ثم امتدت في أكتوبر إلى حساب الجمعية ومشروعها لرصد الرقابة «إنغلي ويب».
وفي أحدث التطورات، دعت أكثر من عشرين منظمة حقوقية، بينها «هيومن رايتس ووتش»، شركات التواصل إلى مقاومة أوامر الحجب. وأكدت منصة «إكس» امتثالها لبعض القرارات لتجنب العقوبات، مع الطعن فيها قضائياً.
وعلى الصعيد الأوروبي، حذرت مفوضة التوسع مارتا كوس، في 9 أكتوبر، من اتساع الفجوة بين الممارسات التركية ومعايير الانضمام للاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن تقرير التوسع المرتقب في 28 أكتوبر سيتناول هذه القضايا.
سجل القناة والخلفية التاريخية
تأسست «خلق تي في» في 10 يناير 2005، واكتسبت حضوراً واسعاً بتغطية احتجاجات حديقة غيزي عام 2013، قبل أن يشتريها ماهر أوغلو في 2020.
وسبق أن سُجن رئيس تحريرها توكتاش في يناير 2025 بسبب بث مكالمة مع خبير قضائي، ثم أُفرج عنه بعد 34 يوماً في مارس، مع تبرئته وأربعة زملاء من تهمة التأثير على القضاء، وإحالة اتهام منفصل متعلق بتسجيل المكالمة ونشرها إلى الوساطة.
وتعود جذور القيود الإعلامية الأوسع إلى ما قبل محاولة الانقلاب عام 2016؛ إذ سيطرت الحكومة على مجموعة إيباك الإعلامية في 2015، وعلى مجموعة فضاء الإعلامية وصحيفة زمان في مارس 2016، واستمر قمع الصحافة بعد الانقلاب المثير للجدل بحيث وثقت الأمم المتحدة إغلاق 166 مؤسسة إعلامية ودار نشر حتى نهاية 2017، مع مصادرة أصولها دون تعويض.
وتشير منظمة «مراسلون بلا حدود» إلى وقوع تركيا في المرتبة 163 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، مقارنة بالمرتبة 159 في العام السابق، وتقدر خضوع 90% من وسائل الإعلام الوطنية للسيطرة الحكومية.

