أصدرت محكمة تركية قرارا قضائيا جديدا يُبقي رجل أعمال وناشط مدني معروف خلف القضبان، ويعمّق الخلاف بين أنقرة ومجلس أوروبا بشأن تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
رفض الإفراج وإعادة المحاكمة
رفضت محكمة الجنايات الجنائية الثالثة عشرة في إسطنبول، بالإجماع، طلبات الإفراج عن رجل الأعمال والفاعل المدني عثمان كافالا وإعادة محاكمته، وأمرت باستمرار تنفيذ حكم السجن المؤبد المشدد الصادر بحقه، وفق ما نقلته وكالة أنباء «أنكا».
وجاء القرار يوم الثلاثاء، رغم حكم نهائي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 25 أغسطس/آب، طالب تركيا بالإفراج عن كافالا في أقرب وقت ممكن وإزالة الآثار القانونية المترتبة على إدانته. وكان محاموه قد تقدموا بطلب لإعادة فتح القضية وتعليق تنفيذ العقوبة، استناداً إلى الحكم الأوروبي.
ويبلغ كافالا 68 عاماً، وهو محتجز منذ أكتوبر/تشرين الأول 2017، بعدما اتُهم بتمويل احتجاجات حديقة غيزي وتنظيمها بهدف إسقاط الحكومة. وينفي هذه الاتهامات، مؤكداً أن ملاحقته ذات دوافع سياسية، فيما تنفي الحكومة التركية أن يكون سجنه مرتبطاً بمواقفه أو نشاطه المدني.
احتجاجات غيزي في قلب القضية
تعود جذور القضية إلى احتجاجات حديقة غيزي التي اندلعت في إسطنبول عام 2013، إثر خطط لإعادة تطوير الحديقة الواقعة وسط المدينة. وسرعان ما تحولت التحركات المحلية إلى احتجاجات واسعة امتدت إلى مدن تركية عدة، واتخذت طابعاً مناهضاً لحكومة رجب طيب أردوغان، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس الوزراء.
واتهم الادعاء كافالا بالاضطلاع بدور في تمويل الاحتجاجات وتنظيمها، وهي اتهامات أدت إلى صدور حكم بالسجن المؤبد المشدد بحقه. لكن المحكمة الأوروبية خلصت في حكمها الأخير إلى أن ملاحقته واحتجازه استهدفا معاقبته وإسكاته بسبب أنشطته في المجتمع المدني ومشاركته المرتبطة باحتجاجات غيزي.
ووصف قضاة المحكمة الأوروبية إدانته بأنها «إنكار صارخ للعدالة»، معتبرين أن القضية تجاوزت الخلاف حول تقدير الأدلة إلى مسألة احترام الحقوق التي تكفلها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وكان كافالا قد بُرّئ في المحاكمة الأولى المتعلقة باحتجاجات غيزي في فبراير/شباط 2020، لكنه أُوقف مجدداً قبل أن يتمكن من مغادرة السجن. ثم أُلغيت البراءة، وأُدين في إعادة المحاكمة، قبل أن تؤيد محكمة التمييز العليا التركية الإدانة في سبتمبر/أيلول 2023.
تعارض في تفسير الالتزامات القانونية
بررت محكمة إسطنبول رفض الطلب بأن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ليست جهة استئناف أعلى من القضاء التركي، وأن تقييم الأدلة يدخل ضمن اختصاص المحاكم الوطنية. كما استندت إلى ضرورة استنفاد سبل الطعن الداخلية قبل إعادة النظر في القضية.
وكانت النيابة العامة في إسطنبول قد أوصت برفض الطلب، بحجة أن المحكمة الدستورية التركية لم تفصل بعد في الالتماس الفردي الذي تقدم به كافالا، وبالتالي لم تُستنفد جميع الإجراءات المحلية.
غير أن المحكمة الأوروبية تناولت هذه المسألة بالفعل في حكمها الصادر في أغسطس/آب. وخلصت إلى أن مطالبة كافالا بانتظار قرار المحكمة الدستورية لم تعد معقولة، في ضوء التأخيرات المفرطة وتكرار عدم تنفيذ الأحكام الأوروبية السابقة، وهو ما أضعف فعالية هذا المسار القانوني في قضيته.
وتتيح المادة 311 من قانون الإجراءات الجنائية التركي إعادة فتح المحاكمة في ظروف محددة، من بينها صدور حكم نهائي عن المحكمة الأوروبية يثبت انتهاك الاتفاقية. واستند محامي كافالا، أحمد كوكسال بايراكتر، إلى هذه المادة في طلب إعادة المحاكمة.
ولا يغلق القرار الأخير باب الطعن؛ إذ يستطيع فريق الدفاع الاعتراض أمام محكمة الجنايات الجنائية الرابعة عشرة في إسطنبول خلال أسبوعين من إبلاغه رسمياً بالقرار.
مجلس أوروبا يطالب أنقرة بخطوات ملموسة
جاء رفض الطلب قبل يوم واحد من انتهاء المهلة التي حددتها لجنة وزراء مجلس أوروبا لتركيا، لتوضيح الإجراءات التي اتخذتها أو تعتزم اتخاذها لتنفيذ حكم الإفراج عن كافالا.
وكانت اللجنة قد طلبت، خلال اجتماعها في سبتمبر/أيلول، تقديم المعلومات بحلول 14 أكتوبر/تشرين الأول، مؤكدة أن تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية التزام قانوني غير مشروط على الدول الأعضاء. ومن المقرر أن تعود اللجنة إلى بحث القضية في اجتماعها خلال ديسمبر/كانون الأول، مع إبقاء احتمال اتخاذ خطوات إضافية قائماً. والمهلة المحددة لتقديم المعلومات ليست موعداً نهائياً مستقلاً للإفراج عن كافالا.
وتعود المواجهة إلى ديسمبر/كانون الأول 2019، حين أمرت المحكمة الأوروبية بالإفراج عن كافالا. وأدى استمرار احتجازه إلى إطلاق مجلس أوروبا إجراءات بشأن عدم الامتثال، قبل أن تقرر المحكمة الأوروبية في يوليو/تموز 2022 أن تركيا أخفقت في تنفيذ الحكم السابق.
وفي حكمها الأخير الصادر عن الدائرة الكبرى في 25 أغسطس/آب 2026، لم تكتف المحكمة بالمطالبة بالإفراج عنه وإزالة آثار إدانته، بل رصدت أيضاً انتهاكات تتصل بحرية الفرد، وعدالة الإجراءات الجنائية، واستقلال المحاكم وحيادها، فضلاً عن العقوبة المؤبدة المشددة التي لا تتيح مراجعة فعلية تأخذ في الاعتبار تغير الظروف الشخصية أو درجة الخطورة.
اختبار لسيادة القانون ومصداقية المؤسسات
تكمن أهمية القضية في أنها تجاوزت حدود النزاع الجنائي الفردي لتصبح اختباراً لآليات تنفيذ الأحكام الأوروبية داخل النظام القانوني التركي. فالمسألة لا تتعلق فقط بسلطة المحاكم الوطنية في تفسير الأدلة، بل أيضاً بكيفية التوفيق بين استقلال القضاء المحلي والتزام الدولة بتنفيذ حكم دولي نهائي قبلت ولايتها القضائية.
ومن الناحية العملية، يفتح القرار الباب أمام اعتراض قانوني جديد داخل تركيا، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مدى قدرة المسارات الداخلية على توفير إنصاف فعال بعد سنوات من التقاضي، وأحكام أوروبية متكررة لم تؤد إلى إنهاء الاحتجاز.
وفي المقابل، تصر الحكومة التركية على أن كافالا لم يُسجن لدوافع سياسية، وتؤكد أن المحاكم تعمل باستقلالية. غير أن استمرار الخلاف مع المحكمة الأوروبية يضع أنقرة أمام استحقاق قانوني ودبلوماسي متجدد، ستكون طريقة تعاملها معه موضع متابعة خلال اجتماع لجنة وزراء مجلس أوروبا في ديسمبر.

