يرى الأكاديمي والمحلل السياسي التركي سدات لاتشينر أن ألمانيا تشهد اليوم تحولاً جذرياً غير مسبوق في هويتها السياسية والعسكرية، حيث تخلت برلين عن نهجها “المسالم” الذي تبنته طوال ثمانية عقود عقب الحرب العالمية الثانية، لتنخرط في سباق تسلح هو الأضخم في تاريخها المعاصر.
ويؤكد لاتشينر، في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، أن هذا التحول يمثل استدارة كاملة بمقدار مئة وثمانين درجة؛ فالدولة التي كانت تُنتقد بالأمس لتقاعسها عن أداء دورها العسكري، باتت اليوم تسعى وبقوة لتكون القوة التقليدية المهيمنة في القارة العجوز، مع تطلعات صامتة نحو القوة النووية.
المؤشرات المادية للتفوق العسكري الجديد
وفقاً لتحليل لاتشينر، فإن الطموح الألماني لا يتوقف عند التصريحات، بل تترجمه أرقام ومخططات ملموسة؛ حيث تجاوزت الميزانية الدفاعية الألمانية قدرات قوتين نوويتين كفرنسا وبريطانيا. ولتحقيق هذه القفزة، عمدت برلين إلى اتخاذ خطوات جريئة شملت تخفيف “كابح الديون” لتمويل صفقات تسليح كبرى تشمل الطائرات المقاتلة، والمدرعات، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيرة. كما أطلقت برنامجاً فضائياً عسكرياً بقيمة خمسة وثلاثين مليار يورو، وأصدرت لأول مرة وثيقة استراتيجية دفاعية تنص صراحة على أن الجيش الألماني سيكون الأقوى أوروبياً.
هواجس الجوار: بين المخاوف التاريخية وطموحات القيادة
يوضح لاتشينر أن هذا الصعود الألماني يثير قلقاً عميقاً في العواصم الأوروبية، لاسيما وارسو وباريس؛ ففي بولندا، تستحضر القوة العسكرية الألمانية ذكريات الاحتلال الأليمة، مما دفع البولنديين إلى إنفاق ضخم على تسلحهم الخاص يصل إلى 4.7% من ناتجهم المحلي لتجنب الهيمنة الألمانية. أما في فرنسا، فيبدو المشهد أكثر توتراً؛ إذ يرى القادة الفرنسيون أن ألمانيا “تركض” بينما هم “يمشون”، مما يهدد ريادة باريس العسكرية التقليدية للاتحاد الأوروبي. ويشير لاتشينر إلى أن انهيار مشاريع التعاون المشترك، مثل مشروع مقاتلة المستقبل، يعكس رغبة برلين في انتهاج مسار “ألمانيا أولاً”، مفضلةً مصالحها القومية والربحية على التضامن الأوروبي العاطفي الذي تنشده باريس.
توطين الصناعات العسكرية والهيمنة الاقتصادية
يشير سدات لاتشينر إلى تحول هيكلي في الصناعة الألمانية؛ فمع تراجع قطاع السيارات أمام المنافسة الصينية، وجدت قلاع الصناعة الألمانية في قطاع الدفاع متنفساً جديداً، حيث يتم تحويل المصانع لإنتاج الذخائر والعتاد. وتتجلى هذه الهيمنة في إنتاج قذائف المدفعية (155 ملم)، حيث تنتج ألمانيا وحدها أكثر من نصف إنتاج أوروبا بأكملها، مع توقعات بوصول هذه النسبة إلى 80% قريباً. هذا التفوق الصناعي يعني في نظر لاتشينر أن أوروبا، في حال نشوب أي صراع، ستنتقل من التبعية العسكرية للولايات المتحدة إلى تبعية مطلقة للشركات والآلة العسكرية الألمانية.
مستقبل التوازن الأوروبي في ظل التراجع الأمريكي
يلفت لاتشينر الانتباه إلى أن الغياب التدريجي للقيادة الأمريكية عن أوروبا، والذي بدأ يترسخ منذ حقبة ترامب، خلق فراغاً أمنياً وفوضى في تراتبية القوة داخل القارة. فبينما كانت واشنطن هي “القائد المهيمن” الذي يضبط إيقاع التنافس بين القوى الأوروبية، يواجه الأوروبيون اليوم خطر التفكك والنزاعات البينية مع بروز طموحات منفردة لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. ويخلص لاتشينر إلى أن السؤال الجوهري الذي سيعيد رسم خريطة القارة هو: هل تتسلح ألمانيا لحماية أوروبا، أم لتحقيق تفوقها الاستراتيجي الخاص؟
خلاصة
تتحول ألمانيا بسرعة من عملاق اقتصادي بـ”أقدام خشبية” عسكرياً إلى قوة ضاربة تسعى للهيمنة التقليدية والصناعية، مما يزعزع توازن القوى التاريخي ويثير مخاوف جيرانها من ولادة هيمنة ألمانية جديدة تحل محل المظلة الأمريكية.

