في تطور جديد يعكس استمرار التوترات بين أنقرة وأثينا، أعربت وزارة الخارجية التركية عن رفضها القاطع لخطة التخطيط البحري التي أعلنتها الحكومة اليونانية مؤخراً، متهمة إياها بتجاوز حدودها وانتهاك المناطق الخاضعة للولاية البحرية التركية في كل من بحر إيجه وشرق البحر الأبيض المتوسط.
انتقادات تركية لخطة أثينا البحرية
جاء بيان الخارجية التركية في أعقاب إعلان اليونان عن خطة وطنية للتخطيط البحري (MSP)، تهدف إلى تنظيم الأنشطة البشرية في الفضاءات البحرية، مثل السياحة، والتنقيب عن مصادر الطاقة، والصيد، وحماية البيئة. وقد أكدت أنقرة أن بعض المناطق التي تضمنتها الخطة اليونانية تتعدى على ولايتها البحرية، محذّرة من اتخاذ خطوات أحادية الجانب في البحار المغلقة أو شبه المغلقة مثل إيجه والمتوسط.
وشدّد البيان التركي على أن “القانون الدولي للبحار يدعو إلى التعاون بين الدول المتشاطئة في مثل هذه المناطق، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا البيئية”، مشيراً إلى أن تركيا مستعدة دائماً للتعاون مع اليونان في هذا الإطار. كما ذكّرت أنقرة بـ”إعلان أثينا” الموقع في 7 ديسمبر 2023، الذي كرّس التزام الطرفين بالحوار وحسن الجوار.
خطة يونانية بعد انتقادات أوروبية
تأتي خطة التخطيط البحري اليونانية استجابة لملاحظات وجهتها محكمة العدل الأوروبية في وقت سابق من هذا العام، إذ وبّخت أثينا على تأخرها في تقديم هذه الخطة إلى المفوضية الأوروبية، وهو التزام قانوني يفرضه توجيه أوروبي صادر عام 2014 على جميع الدول الأعضاء المطلة على البحر.
وقد أعدّت الخطة من قبل وزارتي البيئة والطاقة والخارجية في اليونان، وتُعد أول وثيقة رسمية تحدد فيها أثينا حدود الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) الخاصة بها، لا سيما حول الجزر اليونانية التي تُقدّر بأكثر من 6 آلاف جزيرة، وهو ما ترفضه تركيا بشدة.
الجزر ومناطق السيادة البحرية: جوهر الخلاف
يكمن جوهر الأزمة بين الجانبين في مسألة ما إذا كانت الجزر تُمنح نفس الحقوق البحرية التي تُمنح للبر الرئيسي، إذ تستند اليونان في موقفها إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) التي تمنح الجزر هذه الحقوق. في المقابل، ترفض تركيا هذه الاتفاقية – التي لم تصادق عليها – وتؤكد أن الجزر القريبة من سواحلها لا يمكن أن تمتلك مناطق اقتصادية خالصة كاملة.
وترى أنقرة أن تطبيق نصوص الاتفاقية بهذا الشكل المجرد لا يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجغرافية المعقدة في بحر إيجه وشرق المتوسط، حيث تتداخل الجزر اليونانية مع الساحل التركي على نحو غير مسبوق في أي مكان آخر في العالم.
تركيا ترد بخطتها البحرية وخريطة “الوطن الأزرق”
رداً على الخطوة اليونانية، أعلنت تركيا أنها بصدد تقديم خطتها الخاصة للتخطيط البحري إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والهيئات الدولية ذات الصلة. كما نشر المركز القومي التركي لحقوق البحار والقانون البحري (DEHUKAM) خريطة تُجسد ما تُعرف بعقيدة “الوطن الأزرق”، التي تعكس رؤيتها الموسعة لحقوقها السيادية في البحار المحيطة بها.
وتُحدد هذه الخريطة مجالات للنشاط الاقتصادي والعلمي والعسكري، مع التشديد على مبادئ الاستدامة البيئية في إدارة الموارد البحرية.
خلفية تاريخية للتوتر
يُذكر أن الخلاف البحري بين تركيا واليونان يعود لعقود، وسبق أن شهد مواجهات بحرية متوترة، كان أبرزها في عام 2020 عندما كادت عمليات التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط تؤدي إلى تصعيد عسكري مباشر. وعلى الرغم من محاولات التهدئة الأخيرة، ومنها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أثينا في ديسمبر 2023، وتوقيع إعلان مشترك لإحياء العلاقات، فإن التوترات لا تزال قائمة، خاصة حول ما إذا كانت الجزر اليونانية تمنح اليونان الحق في المطالبة بمناطق بحرية واسعة.
دعوات للحوار وتجنب التصعيد
ورغم هذه التطورات، أكد الطرفان – عبر بيانات رسمية – التزامهما بمواصلة الحوار الدبلوماسي لتسوية الخلافات البحرية، إلا أن إقدام كل طرف على الإعلان المنفرد عن خططه البحرية يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، وسط بيئة جيوسياسية مضطربة، وسباق متصاعد على مصادر الطاقة والموارد الطبيعية في شرق المتوسط.
ومن المرجّح أن يعاد فتح هذا الملف في اللقاءات الدبلوماسية القادمة بين الجانبين، وسط دعوات أوروبية لخفض التوتر وتغليب آليات التعاون البحري بما يخدم أمن واستقرار المنطقة بأسرها.

