شهدت العاصمة الإسبانية مدريد توقيع اتفاق رسمي بين تركيا وإسبانيا لتصدير طائرات التدريب النفاثة المتقدمة «حُر جيت» (Hürjet) ، في خطوة تمثل تحولًا نوعيًا في مسار التعاون الدفاعي بين البلدين داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وجرت مراسم التوقيع داخل منشآت شركة «إيرباص»، بحضور مسؤولين رفيعي المستوى من الجانبين، من بينهم رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوصي غورغون، ووزيرة الدولة الإسبانية لشؤون الدفاع ماريا أمبارو فالكارثي، إلى جانب ممثلين عن «الصناعات الجوية التركية» (TAI) و«إيرباص».
هذا الاتفاق يُعد تتويجًا لتفاهم تم التوصل إليه أواخر عام 2025، ويُنظر إليه كأول صفقة تصدير لطائرة نفاثة تركية إلى دولة عضو في الناتو، ما يمنحه بعدًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز البعد التجاري.
تفاصيل الصفقة وجدول التنفيذ
ينص الاتفاق على تزويد سلاح الجو الإسباني بثلاثين طائرة «حُر جيت»، بقيمة إجمالية تصل إلى 2.6 مليار يورو، في إطار خطة مدريد لتحديث أسطولها التدريبي واستبدال طائرات F-5 القديمة.
يتضمن البرنامج توزيعًا صناعيًا مشتركًا بين البلدين، حيث سيتم إنتاج جزء من الطائرات في تركيا وتسليمها مباشرة، بينما تُجمّع طائرات أخرى داخل إسبانيا بمساهمة من الصناعات المحلية، وهو ما يعزز نقل التكنولوجيا والتكامل الصناعي بين الطرفين.
ومن المتوقع أن تبدأ عمليات التسليم اعتبارًا من عام 2028، على أن تدخل الطائرات الخدمة بين عامي 2029 و2030، مع استكمال البرنامج بالكامل بحلول عام 2035.
دور «إيرباص» والتكامل الصناعي الأوروبي
تلعب شركة «إيرباص للدفاع والفضاء» دور الشريك الصناعي الرئيسي في الجانب الإسباني، حيث ستتولى دعم عمليات الإنتاج المحلي ودمج الأنظمة، ما يعكس توجهًا أوروبيًا نحو الاستفادة من القدرات التركية المتنامية في الصناعات الدفاعية.
هذا التعاون يعكس أيضًا تحولًا تدريجيًا في سياسة التسلح الأوروبية نحو تنويع مصادر الشراء، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية وتزايد الحاجة إلى مرونة في سلاسل الإمداد الدفاعية.
منظومة تدريب متكاملة: الطائرة والمحاكاة
لا يقتصر التعاون على الطائرات فقط، بل يشمل أيضًا تصدير نظام محاكاة طيران متكامل من تطوير شركة «هافلسان» التركية، ما يوفر بيئة تدريب متقدمة للطيارين الإسبان ويعزز جاهزية العمليات.
هذا التكامل بين المنصة الجوية وأنظمة التدريب يعكس توجهًا حديثًا في برامج الطيران العسكري، حيث تُبنى القدرات التدريبية على منظومات متكاملة بدلًا من حلول منفصلة.
الخصائص التقنية والموقع في السوق العالمية
تُعد «حُر جيت» طائرة تدريب متقدمة ذات مقعدين ومحرك واحد، قادرة على بلوغ سرعات فوق صوتية، كما يمكن استخدامها في مهام الهجوم الخفيف. وكانت قد أجرت أول رحلة لها في أبريل 2023، وتستهدف تركيا من خلالها استبدال أسطولها القديم من طائرات التدريب.
في السوق العالمية، تدخل الطائرة في منافسة مباشرة مع منصات راسخة مثل:
- T-7 Red Hawk الأمريكية من بوينغ
- T-50 الكورية الجنوبية
- M-346 الإيطالية
هذا يضع تركيا في موقع تنافسي متقدم ضمن سوق يشهد طلبًا متزايدًا على طائرات التدريب الحديثة.
دلالات استراتيجية: تصاعد الدور التركي
يأتي هذا الاتفاق في سياق توسع ملحوظ للصناعات الدفاعية التركية، حيث تشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن صادرات تركيا العسكرية تضاعفت أكثر من عشر مرات خلال العقدين الماضيين، مدفوعة بنجاحات في مجالات الطائرات المسيّرة، والمركبات المدرعة، والأنظمة البحرية.
من الناحية السياسية، يعكس الاتفاق تقاربًا متزايدًا بين أنقرة ومدريد داخل الناتو، كما يبرز تركيا كشريك صناعي موثوق وقادر على تقديم حلول تنافسية من حيث الكلفة والتكنولوجيا.
كما قد يمهد هذا النموذج من التعاون المشترك الطريق أمام مشاريع دفاعية متعددة الجنسيات داخل الحلف، خاصة في ظل بحث الدول الأوروبية عن شراكات بديلة تقلل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
ما وراء الصفقة
الصفقة لا تمثل مجرد بيع معدات عسكرية، بل تعكس تحولًا أعمق في بنية العلاقات الدفاعية داخل الناتو، حيث بدأت الدول متوسطة القوة مثل تركيا في لعب دور المنتج والمصدر، بدلًا من الاقتصار على الاستيراد.
كما أن إشراك إيرباص يعكس قبولًا أوروبيًا متزايدًا بدمج الصناعات الدفاعية التركية ضمن المنظومة الغربية، رغم التوترات السياسية السابقة.
في المقابل، تمنح الصفقة تركيا فرصة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للصناعات الجوية، وفتح أسواق جديدة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا.
تعكس صفقة «حُر جيت» تحولًا استراتيجيًا في ميزان الصناعات الدفاعية داخل الناتو، وتؤكد صعود تركيا كمصدر رئيسي للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. كما تمثل نموذجًا جديدًا للتكامل الصناعي العابر للحدود بين دول الحلف.

