في مقال حمل عنوان “لقد دمّرنا العدالة باسم القضية” (الإسلامية)، شنّ الكاتب التركي وعضو البرلمان السابق عن حزب العدالة والتنمية، محمد أوجاقتان، هجوماً لاذعاً على ما سمّاه “إسلام السلطة”، منتقداً ما آل إليه الخطاب الديني والممارسة السياسية لدى التيارات المحافظة في تركيا، لا سيما في ظل حكم حزب العدالة والتنمية.
وأشار إلى أن العديد ممن يسمّون أنفسهم “أبناء القضية” (الإسلامية) قد أفرغوا مفاهيم الدين من مضمونها الحقيقي، وباتوا يتصرفون وكأنهم يعتنقون ديناً مغايراً تماماً للإسلام، الذي يُفترض أن يقوم على قيم العدل والرحمة والضمير.
تآكل الوعي الديني والثقافي في ظل السلطة
أكد أوجاقتان، الذي ينتمي إلى خلفية دينية ثقافية نشأ فيها على تقدير الأدب والفن والانفتاح على العالم، أن القطاعات المتدينة في تركيا تعرضت لتآكل كبير في وعيها الديني والثقافي خلال السنوات الأخيرة من حكم العدالة والتنمية. وقال بأسف: “نقولها وقلوبنا تحترق: المسلمون المرتبطون بالسلطة باتوا وكأنهم يعتنقون ديناً مختلفاً تماماً”.
وأوضح أن ما يُطلق عليه في الأدبيات الإسلامية “القضية” التي لطالما ترددت على ألسنة الوعّاظ والمثقفين، قد تحوّلت إلى مجرد شعارات فارغة من المضمون، يستخدمها البعض لتبرير الظلم والتسلط باسم الدين.
خرافة “القضية الكبرى” وغياب العدالة
أشار الكاتب إلى أن النشأة الدينية التي تلقاها كانت تُقدّس مفاهيم العدل والرحمة والضمير، وأن الشعارات التي كانت تُستقى من شعر أمثال نجيب فاضل كصورة رمزية لـ”القضية الكبرى” قد تحوّلت اليوم إلى وسيلة لفرض الهيمنة باسم الدين. وقال: “لطالما صُوِّرت لنا القضية على أنها عدالة الإسلام، لكننا اليوم نرى أن من يزعمون تمثيل هذه القضية هم الأبعد عن العدالة”.
وأضاف أن الدعاوى التي تُرفع اليوم باسم “القضية الإسلامية” لم تعد تستند إلى أي أساس قرآني أو أخلاقي، بل باتت تستهدف الخصوم السياسيين والمعارضين والمفكرين والصحفيين، دون اعتبار لأي قيمة إنسانية أو مبدئية.
آيات العدل التي تم تجاهلها
استشهد أوجاقتان بعدد من الآيات القرآنية التي تؤكد على مركزية العدل في الدين الإسلامي، مثل قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ” (النساء/135)، وقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” (النساء/58).
وأشار إلى أن هذه الآيات التي كانت تُتلى كثيراً في مجالس المتدينين، لم تعد تحرّك ضمير من هم في مواقع السلطة اليوم، بل باتت تُهمل لصالح تبرير السياسات الظالمة والاعتقالات العشوائية والتضييق على الحريات.
منطق “المصلحة العليا” يُبرّر الظلم
هاجم أوجاقتان ما وصفه بـ”الشرعية الزائفة” التي تمنحها السلطة لبعض ممارساتها القمعية، تحت ذريعة حماية “القضية الكبرى”. وقال إن توقيف المئات من الشباب، وسجن رؤساء بلديات، وإقصاء المعارضين، كلها تُبرر بمزاعم حماية المشروع الإسلامي أو الدولة، بل وربما يُمنح من يغضّ الطرف عن هذه المظالم شعوراً زائفاً بأنه “ينال أجراً وثواباً”.
وأضاف: “لو أن هؤلاء حقاً يؤمنون بالدين الذي أنزله الله، لما تجرؤوا على الزج بالناس في السجون دون محاكمات عادلة أو على انتهاك الحريات بهذه الطريقة الفجة”.
مأزق النخبة الدينية
وفي ختام مقاله، عبّر أوجاقتان عن أسفه لما وصلت إليه النخبة المتدينة المثقفة، التي كانت فيما مضى تُمجّد العدالة والحق والرحمة، لكنها باتت اليوم إما صامتة أو شريكة في الظلم، مؤكداً أن هذه التحولات تشكّل خيانة للرسالة الإسلامية وللقيم التي طالما تغنّى بها المتدينون الأوائل.

