يتهم حزب أذربيجان الجديدة حزب العدالة والتنمية التركي بتوظيف قضية الحجاب لإثارة الانقسام والضغط على باكو، في نزاع يتجاوز قواعد الزي المدرسي إلى استقلال القرار الوطني، وحدود العلمانية، وتباينات المواقف الإقليمية.
الحجاب يشعل خلافاً بين أنقرة وباكو
دخلت العلاقات السياسية بين تركيا وأذربيجان مرحلة من التوتر العلني، بعدما اتهم حزب «أذربيجان الجديدة» الحاكم، بقيادة الرئيس إلهام علييف، حزب العدالة والتنمية التركي الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، باستغلال الخلاف حول منع الحجاب في المدارس الأذربيجانية لتحقيق مكاسب سياسية، وتأجيج الانقسامات داخل تركيا والعالم الإسلامي.
وجاء الموقف الأذربيجاني، الثلاثاء، رداً على انتقادات وجّهها أوكتاي سارال، كبير مستشاري أردوغان، وعدد من نواب الحزب التركي الحاكم، إلى القيود التي أدت إلى منع طالبات محجبات من دخول الفصول الدراسية.
وقال الحزب الأذربيجاني إن تحويل قضايا دينية حساسة، وفي مقدمتها الحجاب، إلى أدوات للمناورة السياسية والانقسام لا يخدم وحدة الشعب التركي ولا التضامن بين المسلمين، داعياً الحكومة التركية إلى التخلي عما وصفه بسياسة ضارة.
كما اتهم وسائل إعلام تركية وحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، بعضها مرتبط بحزب العدالة والتنمية، بنشر معلومات مضللة عن أذربيجان، واعتبر تصريحات سارال والنواب المنتقدين شعبوية وغير مسؤولة.
وشدد البيان على أن الانتماء الديني المشترك لا يمنح أي دولة حق فرض إرادتها على دولة أخرى أو التدخل في شؤونها الداخلية أو التعامل معها من موقع التفوق. وأضاف أن الحديث عن وحدة العالم الإسلامي ينبغي أن يُترجم إلى تعاون بين أطراف متكافئة، لا إلى محاولات للهيمنة، مستحضراً موقف أذربيجان الرافض للإمبريالية والاستعمار الجديد.
تعديلات مدرسية فتحت باب المواجهة
بدأت الأزمة بعد تعديل مجلس الوزراء الأذربيجاني، في 21 سبتمبر/أيلول، القواعد المنظمة للزي المدرسي في المؤسسات الحكومية. وتحظر اللوائح الملابس التي تخالف الزي المعتمد أو تتعارض مع مبدأ التعليم العلماني، لكنها لا تذكر الحجاب الإسلامي صراحة.
وتترك القواعد للجان المدرسية تحديد مدى الالتزام بالزي، من دون أن تنص بوضوح على منح المدارس صلاحية استبعاد التلاميذ من الدروس. ومع ذلك، شهدت مدارس أذربيجانية منع فتيات محجبات من دخول الفصول، الأمر الذي أثار احتجاجات أولياء الأمور وانتقادات في تركيا. ووثقت تسجيلات مصورة حالات من بينها واقعة في مدينة سومغايت، الواقعة شمال العاصمة باكو.
وامتد الجدل إلى المعلمات أيضاً، بعدما اعتُمدت، في 6 أكتوبر/تشرين الأول، قواعد منفصلة تشترط توافق ملابس المدرسين مع التعليم العلماني. وقالت معلمات في باكو وسومغايت إنهن طُلب منهن نزع الحجاب أو الاستقالة.
وهنا برز التباين بين النص التنظيمي وتطبيقه الميداني: فاللوائح لا تذكر الحجاب بالاسم، لكن قرارات بعض المدارس جعلت غطاء الرأس محور النزاع، مع ما يثيره ذلك من أسئلة بشأن حق الطالبات في التعليم، وحدود السلطة التقديرية للإدارات المدرسية، والضمانات المتاحة للمتضررات.
أردوغان يستحضر ملفاً حساساً في السياسة التركية
انتقد سارال إبعاد الطالبات المحجبات عن المدارس، معتبراً أنه انتهاك لحقهن في التعليم، وطالب أذربيجان بالتراجع عن هذه الممارسة عبر منشور على منصة «إكس». كما دعت ليلى شاهين أوستا، نائبة رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، والنائب محمد مفيد أيدن، السلطات الأذربيجانية إلى مراجعة القيود، بعد انتشار صور لطالبات مُنعن من الدخول.
وتحمل القضية حساسية خاصة في تركيا، حيث شكّلت القيود المفروضة على الحجاب لعقود أحد أبرز ملفات الصراع بين العلمانية السياسية والتيارات المحافظة. فقد تصاعدت هذه القيود عقب الحملة التي قادتها المؤسسة العسكرية عام 1997 ضد صعود الإسلام السياسي، وشملت استبعاد محجبات من الجامعات والوظائف العامة.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2017، فككت حكومات حزب العدالة والتنمية جانباً كبيراً من تلك القيود، وجعل أردوغان هذا التحول جزءاً أساسياً من خطابه السياسي الموجه إلى الناخبين المحافظين.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر/أيلول، أي بعد يوم من تعديل القواعد الأذربيجانية، وصف أردوغان حظر الحجاب المدرسي بأنه اعتداء على حقوق المرأة، لكنه لم يسمِّ دولة بعينها.
أما المتحدث باسم الحزب التركي، عمر جليك، فقال في 7 أكتوبر/تشرين الأول إن الخلافات المتعلقة بالسياسات الداخلية والخارجية يمكن حلها بالحوار بين أنقرة وباكو، نافياً ارتباط الجماعات التركية التي تستهدف أذربيجان بحملات انتقاد بدور رسمي من الحزب أو الحكومة.
«شعب واحد ودولتان»: تحالف لا يلغي السيادة
تكتسب الأزمة أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة العلاقة بين البلدين، اللذين يصفان شراكتهما بشعار «شعب واحد ودولتان»، في إشارة إلى الروابط اللغوية والثقافية بين الشعبين الناطقين بلغات تركية متقاربة. وقد انتقل هذا التقارب إلى إطار رسمي مع إعلان شوشا عام 2021، الذي رسّخ التحالف بينهما، ولا سيما في مجالي الدفاع والأمن.
لكن حزب «أذربيجان الجديدة» حذّر من استخدام هذا الشعار مبرراً للتدخل في الشؤون الداخلية، مؤكداً أن العلاقة تقوم على دولتين مستقلتين، ولا تمنح أياً منهما حق فرض توجهاتها السياسية أو الأيديولوجية على الأخرى.
ويكشف هذا الموقف عن تمييز تحاول باكو تثبيته بين التحالف الاستراتيجي والتبعية السياسية. فالتنسيق الأمني والعسكري لا يعني بالضرورة تطابق السياسات التعليمية أو الدينية، كما أن الروابط الثقافية لا تلغي اختلاف أولويات الحكم في البلدين.
العلاقات مع إسرائيل تدخل على خط الأزمة
لم يقتصر بيان الحزب الأذربيجاني على ملف الحجاب، بل دافع أيضاً عن علاقات بلاده بإسرائيل، متهماً منتقدين في تركيا بتقديم صورة مضللة عن هذه الروابط واستخدامها لتوجيه اتهامات سياسية إلى باكو.
وترتبط أذربيجان بإسرائيل بعلاقات في مجالي الطاقة والدفاع، وصفتها وزارة الخارجية الأذربيجانية في يناير/كانون الثاني بأنها جزء من شراكة استراتيجية.
وتجدد الجدل في أكتوبر/تشرين الأول بعدما بقي دبلوماسي أذربيجاني داخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بينما انسحب ممثلو تركيا احتجاجاً على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
وردّ حزب «أذربيجان الجديدة» بأن العلاقات مع إسرائيل لا تتعارض، وفق موقفه، مع دعم الحقوق الفلسطينية، مستشهداً بالمساعدات المقدمة للفلسطينيين وتأييد إقامة دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمتها.
ويعكس هذا الجانب من الخلاف اختلافاً في إدارة العلاقات الإقليمية، إذ تحافظ باكو على شراكاتها الاستراتيجية بالتوازي مع إعلان دعمها للقضية الفلسطينية، فيما تتخذ أنقرة مواقف أكثر تصادمية تجاه الحكومة الإسرائيلية في سياق الحرب على غزة.
اختبار لحدود النفوذ والتقارب السياسي
تُظهر الأزمة أن الروابط التاريخية والدينية والتحالفات الأمنية لا تمنع نشوب خلافات عندما تتقاطع السياسات الداخلية مع الرموز الدينية والحقوق الفردية. فأنقرة تنظر إلى قضية الحجاب من خلال تجربتها السياسية الخاصة، بينما تتمسك باكو بمرجعية العلمانية في نظامها التعليمي وبحقها في تحديد قواعده دون تدخل خارجي.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المسألة في مواجهة بين السيادة وحرية الدين وحدهما؛ إذ يبقى السؤال العملي متعلقاً بكيفية تطبيق القواعد المدرسية، ومدى اتساقها مع حق الأطفال في التعليم، وما إذا كانت القرارات الإدارية توفر ضمانات متساوية للطالبات والمعلمات.
كما أن تحويل الخلاف إلى سجال علني بين الحزبين الحاكمين قد يزيد كلفته السياسية، خصوصاً في ظل التحالف الدفاعي بين البلدين وتشابك مصالحهما الإقليمية. وفي المقابل، يتيح الحوار الثنائي معالجة النزاع من دون تحويله إلى اختبار شامل للعلاقات الاستراتيجية.
وتبقى الخطوة الأهم مرتبطة بتوضيح القواعد الأذربيجانية وضمان تطبيقها بصورة متسقة، بالتوازي مع احتواء التراشق السياسي. فاستمرار التحالف بين أنقرة وباكو لا يتطلب تطابقاً كاملاً في السياسات، لكنه يحتاج إلى آليات تحترم استقلال القرار الوطني، وتتيح في الوقت نفسه مناقشة القضايا الحقوقية الحساسة دون تصعيد أو توظيف سياسي.

