أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال طلب تدخل تركيا في مواجهة جماعة الحوثيين في اليمن، دعماً للسعودية، قائلاً إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «سيفعل ما أطلبه»، بحسب تقديره.
وجاءت التصريحات يوم الثلاثاء، خلال حديث مع الصحفيين خارج البيت الأبيض، قبيل مغادرته إلى ألاسكا، رداً على سؤال بشأن إمكانية إشراك أنقرة في تحرك ضد الحوثيين.
وقال ترامب إنه قد يتخذ هذه الخطوة، واصفاً أردوغان بالصديق، ومعبّراً عن احترامه له، قبل أن يؤكد اعتقاده بأن الرئيس التركي سيستجيب لطلبه.
وتكتسب تصريحات ترامب أهمية إضافية في ظل التقارب الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان، بالتزامن مع تصاعد التوتر المرتبط بالحوثيين، وما يرافقه من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية والطاقة والممرات الإقليمية.
هجمات دامية على السعودية تعيد ملف اليمن إلى الواجهة
جاءت تصريحات الرئيس الأميركي عقب هجمات حوثية استهدفت السعودية، وأسفرت ضربات على مطار الملك خالد الدولي في الرياض عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
وتضع هذه الهجمات أمن الأراضي السعودية ومنشآتها المدنية والحيوية في صدارة الحسابات الأمنية، وتزيد الضغوط على الشركاء الإقليميين لتحديد طبيعة الدعم الذي يمكن تقديمه للرياض.
وتسيطر جماعة الحوثيين، المدعومة من إيران، على مساحات واسعة من اليمن، بعدما استولت على العاصمة صنعاء عام 2014. وفي العام التالي، تدخل تحالف بقيادة السعودية دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لتبدأ حرب خلّفت خسائر بشرية واسعة، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، وأسهمت في تفاقم أزمة إنسانية ممتدة.
ومن هذا المنظور، لا تقتصر المواجهة على الرد على هجمات منفردة، بل تتصل بمسار الحرب اليمنية، وتوازنات النفوذ الإقليمي، وحدود استخدام القوة في منطقة تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والإنسانية.
اتفاق مكة للدفاع المشترك.. التزام جماعي وحدود واضحة للتحرك العسكري
وقّعت تركيا والسعودية وباكستان، في السابع من أغسطس/آب، اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار الاعتداء المسلح على أي دولة من الدول الثلاث اعتداءً على الأطراف الأخرى. ويشكّل الاتفاق إطاراً لتنسيق الاستجابة الأمنية، لكنه لا يعني بالضرورة تطابق مساهمات الدول الثلاث أو دخولها جميعاً في عمليات هجومية مباشرة.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، عقدت الدول الثلاث اجتماعاً طارئاً في الرياض لبحث التهديدات التي تواجه السعودية، واتفق ممثلوها على الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها ونشرها سريعاً داخل المملكة، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية لكل دولة. ولم يحدد البيان المشترك أعداد القوات، أو مواعيد نشرها، أو حجم مساهمة كل طرف.
وفي اليوم التالي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن حكومته تستعد لإحالة الاتفاق إلى البرلمان التركي للمصادقة عليه خلال الأيام المقبلة. ويضيف هذا المسار التشريعي بُعداً مهماً إلى النقاش حول أي مشاركة تركية محتملة، إذ يظل نطاق الالتزامات وآليات تنفيذها مرتبطين بالأطر القانونية والمؤسسية في أنقرة.
أنقرة تتمسك بالطابع الدفاعي وتبحث دعم منظومات الحماية
رسم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، حدوداً واضحة للموقف التركي، مستبعداً إرسال قوات إلى الخارج لتنفيذ هجمات بموجب الاتفاق. وأكد أن الاتفاق دفاعي، وأن مساعدة الدولة التي تتعرض للاعتداء لا تعني الانخراط في عمليات هجومية على أراضي دولة أخرى.
وأوضح فيدان أن المسؤولين الأتراك يقيّمون أوجه الدعم الممكنة للدفاعات الجوية السعودية. وكانت وكالة رويترز قد أفادت، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بأن المساعدة التركية تتركز أساساً على الجوانب الدفاعية والتقنية، بما يشمل المعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية ومنظومات الأسلحة، نقلاً عن مسؤولين أتراك وأميركيين.
وبناءً على ذلك، فإن حديث ترامب عن احتمال طلب تدخل تركي لا يحسم طبيعة الدور الذي قد تضطلع به أنقرة. فهناك فارق جوهري بين تعزيز قدرة السعودية على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتقديم المعلومات والتجهيزات الفنية، وبين المشاركة المباشرة في ضرب مواقع الحوثيين داخل اليمن. وقد يحدد هذا الفارق مدى اتساع الدور التركي، فضلاً عن تأثيره في مسار الحرب.
المعارضة التركية تحذر من الانجرار إلى حرب اليمن
على الصعيد الداخلي، حذّر أوزغور أوزيل، زعيم الحزب الجديد، أكبر أحزاب المعارضة التركية، في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، من أن توقيع اتفاق دفاعي مع دولة تخوض حرباً قد يجعل تركيا طرفاً في الصراع. واتهم أوزيل الحكومة بتوظيف السياسة الخارجية لخدمة الأجندة الإقليمية لترامب، في موقف يعكس القلق من اتساع الالتزامات العسكرية التركية خارج حدودها.
وفي المقابل، أكد أردوغان دعم بلاده للسعودية خلال اتصال هاتفي أجراه الثلاثاء مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وفق بيان صادر عن دائرة الاتصال التابعة للرئاسة التركية. ويشير هذا الموقف إلى استمرار الدعم السياسي لأنقرة للرياض، لكنه لا يشكل إعلاناً عن قرار بإرسال قوات تركية للمشاركة في عمليات هجومية.
النفط والانتخابات الأميركية يوسّعان أبعاد المواجهة
في سياق موازٍ، اتهم ترامب الحوثيين بالسعي إلى رفع أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، مدعياً، في منشور على منصة «تروث سوشال»، أنهم استأنفوا هجماتهم بتوجيه من إيران. وتظل هذه اتهامات صادرة عن الرئيس الأميركي، وليست حقائق مستقلة مثبتة بمجرد ورودها في منشوره.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية اقتصادية، إذ يمكن لاستهداف المطارات والمنشآت النفطية أن يرفع المخاطر على الإمدادات والاستثمارات وحركة النقل، حتى عندما لا تتوقف الصادرات بصورة كاملة. كما أن توسيع المواجهة قد يضع السعودية أمام معادلة صعبة: تعزيز الردع وحماية البنية التحتية، من دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف الموارد وتفاقم الأزمة اليمنية.

