أعلنت السلطات التركية اعتقال 32 شخصاً في عمليات أمنية نُفذت في عدة ولايات، على خلفية شبهات تتعلق بالارتباط بحركة الخدمة، المعروفة باسم حركة كولن، في أحدث حلقة من حملة الملاحقات المستمرة ضد أتباع الحركة المزعومين منذ محاولة الانقلاب المثيرة للجدل عام 2016.
وقال وزير العدل التركي أكين غورليك، الأربعاء، إن العمليات جاءت ضمن ثلاثة تحقيقات منفصلة أشرفت عليها النيابتان العامتان في ولايتي إسكي شهير وإزمير، واستهدفت في مجموعها 34 شخصاً. ولم تتضح فور الإعلان تفاصيل مصير جميع الموقوفين، بما في ذلك ما إذا كان بعضهم قد أُفرج عنه أو أُحيل إلى المحاكم.
وتوزعت العمليات بين تحقيق في إسكي شهير بشأن مدفوعات مالية مرتبطة بصادرات غذائية، وتحقيق أوسع في إزمير امتدت إجراءاته إلى أربع ولايات، وتحقيق ثالث شمل إزمير وآيدن بشأن الاشتباه في الانتماء إلى تنظيم تصنفه السلطات التركية إرهابياً.
تحويلات مالية وبيانات رقمية في صلب التحقيقات
في إسكي شهير، أوقفت السلطات تسعة أشخاص من أصل عشرة شملهم تحقيق يتعلق بمدفوعات نُفذت عبر شركة مقرها الولايات المتحدة، يُشتبه في ارتباطها بحركة كولن. وتركز التحقيق على تحويلات مالية مرتبطة بمنتجات غذائية صُدّرت من تركيا، وسط اشتباه النيابة في أن تلك المدفوعات اتصلت بأنشطة الحركة.
وفي تحقيق آخر تقوده النيابة العامة في إزمير، اعتُقل 21 شخصاً في أربع ولايات، للاشتباه في مشاركتهم في أنشطة مستمرة للحركة. وقال المحققون إن أسماء المشتبه بهم وردت في مواد رقمية صودرت من أشخاص يُعتقد أنهم مرتبطون بها، كما ضبطت الشرطة خلال المداهمات أجهزة ومواد رقمية ووثائق إضافية.
أما التحقيق الثالث، فقد أسفر عن اعتقال شخصين في إزمير وآيدن، للاشتباه في الانتماء إلى تنظيم إرهابي. وأفادت المعلومات بأن شخصاً ثالثاً مشمولاً بالتحقيق يوجد خارج تركيا.
واستندت النيابة في هذا الملف إلى رسائل عبر تطبيق «بايلوك» (ByLock)، وسجلات مصرفية من بنك آسيا الذي أُغلق لاحقاً، وبيانات اتصالات هاتفية. وتقول السلطات التركية إن التطبيق المشفر استُخدم وسيلة اتصال سرية بين أتباع الحركة، رغم أنه كان متاحاً في وقت سابق عبر متجري التطبيقات التابعين لشركتي آبل وغوغل.
وتطرح هذه الأدلة، ولا سيما البيانات الرقمية والسجلات المالية، أسئلة قانونية بشأن مدى كفايتها لإثبات الانتماء إلى تنظيم محظور، والتمييز بين استخدام خدمة أو امتلاك حساب مصرفي وبين المشاركة الفعلية في نشاط غير قانوني.
جذور المواجهة: من تحقيقات الفساد إلى محاولة الانقلاب
تعود المواجهة بين الرئيس رجب طيب أردوغان وحركة كولن إلى تحقيقات فساد بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2013، وطالت أردوغان وأفراداً من عائلته ومحيطه السياسي. ورفض أردوغان تلك التحقيقات، واعتبرها مؤامرة دبّرتها الحركة، قبل أن تصنفها السلطات التركية منظمة إرهابية في مايو/أيار 2016.
وتصاعدت الحملة الأمنية عقب محاولة الانقلاب في يوليو/تموز من العام نفسه، التي اتهمت الحكومة الحركة بتدبيرها. لكن الحركة، المستلهمة من أفكار الراحل فتح الله كولن الذي توفي عام 2024، تنفي مسؤوليتها عن محاولة الانقلاب وترفض الاتهامات المتعلقة بممارسة الإرهاب.
ومنذ ذلك الحين، اتسعت التحقيقات والملاحقات لتشمل أشخاصاً يُشتبه في ارتباطهم بالحركة من خلال علاقات مالية أو مؤسسات تعليمية أو جمعيات أو وسائل اتصال. وتقول السلطات إن هذه الإجراءات تستهدف تفكيك شبكات تنظيمية وتمويلية، بينما أثارت أحكام قضائية وانتقادات حقوقية تساؤلات بشأن معايير إثبات الانتماء ومدى التناسب بين الأدلة المستخدمة والعقوبات المفروضة.
حكم أوروبي يضع ضوابط لاستخدام الأدلة الرقمية
يمثل حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية يُكسل يالتشينكايا ضد تركيا، الصادر عن الدائرة الكبرى في سبتمبر/أيلول 2023، مرجعاً مهماً في تقييم القضايا التي تعتمد على تطبيق «بايلوك» أو مؤشرات ارتباط مشابهة.
فقد خلصت المحكمة إلى انتهاك الحق في محاكمة عادلة، ومبدأ عدم فرض عقوبة من دون نص قانوني واضح، وحرية التجمع وتكوين الجمعيات، بعدما استندت إدانة مدرس سابق بصورة حاسمة إلى استخدام التطبيق المشفر. وانتقدت المحكمة النهج الذي يسمح باعتبار استخدام «باي لوك» دليلاً كافياً بذاته على العضوية في تنظيم إرهابي، من دون فحص فردي لعناصر الجريمة، كما شددت على ضرورة تمكين المتهم من الاطلاع الفعلي على الأدلة الرقمية ومنازعة صحتها.
وتكتسب هذه المعايير أهمية خاصة في التحقيقات الحالية، التي تجمع بين سجلات مصرفية وبيانات هاتفية ومواد رقمية. فالمعيار الحاسم ليس مجرد وجود مؤشر تقني أو مالي، بل مدى قدرته، ضمن سياقه وبالاقتران مع أدلة أخرى، على إثبات فعل غير قانوني محدد ومسؤولية الشخص المعني عنه.
أكثر من 127 ألف إدانة منذ عام 2016
وفق أحدث الأرقام التي أوردتها وزارة العدل التركية، تجاوز عدد الأشخاص الذين أُدينوا بتهم تتعلق بالارتباط بحركة غولن 127 ألف شخص منذ عام 2016. ولا يزال 10,485 شخصاً في السجن، فيما تستمر الإجراءات القانونية بحق 83,404 أشخاص آخرين.
وتعكس هذه الأرقام الحجم الكبير للملف القضائي الذي نشأ عن حملة ما بعد محاولة الانقلاب، واستمرار تأثيره في النظامين الأمني والقضائي التركيين بعد مرور سنوات على الأحداث. كما تبرز الحاجة إلى التمييز بين الملاحقات الجارية والأحكام النهائية، وبين الأدلة التي تثبت مشاركة فعلية في نشاط غير قانوني والمؤشرات التي قد تحتمل تفسيرات أخرى.
وأكد وزير العدل أكين غورليك أن الحكومة ستواصل عملياتها ضد الحركة، مشدداً على أنها لن تتسامح مع أي أنشطة لها. ويؤكد هذا التصريح استمرار النهج الأمني الرسمي، في وقت يظل فيه التحدي الأساسي أمام القضاء هو الجمع بين حماية الأمن العام وضمانات المحاكمة العادلة.

