تتسارع التحركات الدبلوماسية خلف الكواليس بين دمشق وأنقرة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة وواسعة النطاق مع إسرائيل.
يأتي هذا الحراك الحذر في أعقاب استهداف سلاح الجو الإسرائيلي لـ مطار أبو الضهور العسكري الواقع في شمال غرب سوريا بالقرب من الحدود التركية، حيث استهدفت ثماني غارات مدرج المطار ومستودعات التخزين فيه دون تسجيل خسائر بشرية.
وتعكس هذه التطورات رغبة مشتركة لدى الأطراف المعنية في منع تحول الاحتكاكات الميدانية المتفرقة إلى حرب إقليمية مفتوحة.
الرؤية السورية: مخاوف الاستدراج ومساعي صياغة ترتيبات أمنية بديلة
تبدي القيادة السورية الحالية، برئاسة أحمد الشرع الذي تولى السلطة عقب الإطاحة بالنظام السابق في عام ٢٠٢٤، توجساً واضحاً من الدوافع الإسرائيلية وراء هذا التصعيد الأخير.
وترى مصادر سورية مقربة من الرئاسة ووزارة الخارجية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى حثيثاً لاستدراج دمشق إلى مواجهة عسكرية لا تقوى الدولة على خوض غمارها في الوقت الراهن.
وتفسر دمشق هذا السلوك بمحاولة نتنياهو تحويل الأنظار عن الأزمات والضغوط الداخلية التي تواجهها حكومته.
وفي سبيل تطويق هذا الخطر وتثبيت أركان الدولة الجديدة، تنتهج دمشق مسارات متعددة، إذ تجري دمشق اتصالات مستمرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا لبناء قنوات تواصل تضمن التهدئة. وتبدي الحكومة السورية استعداداً كاملاً لبحث صياغة اتفاق أمني جديد مع إسرائيل.
كما تدرس دمشق إمكانية إدخال تعديلات على اتفاقية عام ١٩٧٤ التي أسست لمنطقة عازلة بين القوات السورية والإسرائيلية عقب حرب عام ١٩٧٣.
بالرغم من أن تركيا تعد أحد الداعمين الرئيسيين لحكومة أحمد الشرع، فإن دمشق تخشى أن يؤدي تعميق التعاون الدفاعي الثنائي مع أنقرة إلى اتخاذ إسرائيل ذلك ذريعة لشن المزيد من الضربات العسكرية ضد الأراضي السورية.
الروايات المتضاربة حول “مطار أبو الضهور” والموقف التركي
أثارت الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الضهور سجالاً واسعاً حول طبيعة ونوعية التواجد العسكري في تلك القاعدة، فقد برر مكتب نتنياهو الهجوم باقتراب سوريا من خرق التفاهمات الأمنية عبر السماح لقوات تركية بالانتشار في القاعدة العسكرية، زاعماً أن دمشق تجاهلت تحذيرات مسبقة بهذا الخصوص.
في حين نفى وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، وجود أي نية لإنشاء قاعدة تركية أو نشر قوات دائمة، موضحاً أن الأمر اقتصر على زيارة وفد من الضباط الأتراك لمناقشة جوانب التدريب المشترك فقط.
بينما تعارضت رواية وزارة الدفاع التركية مع الادعاء الإسرائيلي والتوضيح السوري على حد سواء، حيث أكدت بشكل قاطع عدم وجود أي وفد عسكري تركي في القاعدة سواء قبل الضربة أو أثنائها.
وبالرغم من هذا التباين، أكدت مصادر تركية استمرار أنقرة في تقديم الدعم الدبلوماسي والدفاعي الكامل لسوريا، مع مراهنتها على دور واشنطن في كبح جماح الاعتداءات الإسرائيلية. وتشدد أنقرة على أنها لا تنظر إلى التصعيد الحالي كفرصة لتحقيق مكاسب سياسية أو إعلامية ضد إسرائيل.
الدور الأمريكي ومساعي منع الاحتكاك
دخلت الولايات المتحدة الأمريكية على خط الأزمة بشكل مباشر للحد من التوترات المتصاعدة عبر جهود ملموسة، إذ وصف السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، الغارات الإسرائيلية بأنها “تصعيد غير مبرر”.
وكشف المبعوث الأمريكي أن إسرائيل لم تقدم أي تحذير مسبق للجانب التركي قبل تنفيذ الضربة، وهو سلوك كاد أن يدفع أنقرة للتحضير لرد عسكري مباشر لولا تدخل “العقول الحكيمة” التي منعت تفاقم الأزمة.
وتبذل واشنطن جهوداً مكثفة لإنشاء قناة اتصال ثلاثية مشتركة تضم تركيا وإسرائيل وسوريا لضمان عدم حدوث صدامات عسكرية غير مقصودة في المستقبل.
التطورات السياقية والأبعاد الإقليمية المترابطة
تتداخل الأزمة الأمنية الراهنة مع جملة من التحولات والمتغيرات على الصعيدين السوري والتركي، حيث تشهد الساحة السورية تحولاً داخلياً بارزاً بتمكن الأكراد السوريين من إتمام عملية الاندماج المدني والعسكري الكامل مع الحكومة المركزية في دمشق، مما يعزز الجبهة الداخلية.
من جانب آخر، طالب رئيس حزب الحركة القومية التركي، دولت بهجلي، بتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، مقترحاً خطة أمنية إقليمية شاملة لمواجهة السلوك الإسرائيلي.
تلقي حرب إيران بظلالها الكثيفة على المنطقة، مسببة تداعيات اقتصادية لتركيا، كالمساهمة في خفض أسعار الفنادق على السواحل التركية. يضاف إلى ذلك ارتفاع الدين الخارجي الإجمالي لتركيا ليصل إلى ٥٣٩ مليار دولار، واضطرار أنقرة لخفض وارداتها النفطية من الموانئ الروسية جراء الاضطرابات الأمنية في البحر الأسود، بالتزامن مع تباطؤ معدل التضخم السنوي في تركيا ليسجل ٣١.٧٥٪ في يوليو.
التحليل الجيوسياسي لأبعاد المشهد
تُظهر القراءة المتعمقة لملامح المشهد الحالي أن الأزمة تتجاوز حدود الغارة الموضعية على مطار عسكري؛ إذ تعيش المنطقة مرحلة إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية عقب التغيير الجذري في نظام الحكم بدمشق عام ٢٠٢٤.
وتسعى إسرائيل، عبر استغلال سيطرتها على أراضٍ في الجنوب الغربي السوري، إلى فرض خطوط حمراء تمنع قيام تحالف دفاعي حقيقي وصلب بين سوريا وتركيا.
في المقابل، تدرك أنقرة ودمشق أن مواجهة إسرائيل عسكرياً في الوقت الحالي قد تفضي إلى نتائج كارثية تعيق عملية إعادة بناء الدولة السورية الجديدة؛ لذا تبرز الدبلوماسية الوقائية والوساطة الأمريكية كخيار استراتيجي لا غنى عنه للطرفين لامتصاص الاندفاعة الإسرائيلية وتحييد خطر الصدام الشامل.

