تشهد العلاقات التركية الإسرائيلية فصلاً جديداً من التوتر المتصاعد في ظل تطورات ميدانية متسارعة على الساحة السورية. وفي هذا السياق، طرح دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية اليميني المتطرف في تركيا والحليف الانتخابي الوثيق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مبادرة سياسية وأمنية شاملة تتألف من خطة سباعية تهدف إلى إعادة صياغة الهيكل الأمني في منطقة الشرق الأوسط.
وتتضمن هذه الرؤية التي كشف عنها في بيان مكتوب ومطول، دعوة صريحة لتعليق عضوية إسرائيل في منظمة الأمم المتحدة وفرض عقوبات دولية واسعة عليها.
مبادرة الأمن الإقليمي: من “اتفاق مكة” إلى “حلف القدس“
تنطلق الرؤية الأمنية المقترحة من ضرورة توسيع التحالف الدفاعي القائم بين تركيا والمملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية. هذا التحالف الذي تأسس بموجب “اتفاق الدفاع المشترك في مكة“ والموقع من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في السابع من أغسطس لعام 2026.
وينص هذا الاتفاق الدفاعي البحت والمفتوح لانضمام دول أخرى، على مبدأ دفاعي جماعي يعتبر أن أي اعتداء على إحدى الدول الموقعة يمثل اعتداءً على الجميع، على غرار بند الدفاع المشترك في حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
ويسعى المقترح التركي الجديد إلى إدخال تحولات جوهرية على هذا الاتفاق عبر خطوات استراتيجية متكاملة:
- إطلاق “حلف القدس“: توسيع رقعة الاتفاق الدفاعي الثلاثي الحالي ليشمل دولاً إضافية في المنطقة وتطويره بنيوياً.
- تأسيس “قوة السلام الإسلامية“: تحويل هذا الحلف إلى قوة حماية ميدانية تتركز مهمتها الأساسية في الدفاع عن الدول والأراضي التي تستهدفها الاعتداءات الإسرائيلية.
- إنشاء مجلس سلام إقليمي: تأسيس مجلس سلام خاص بمنطقة الشرق الأوسط يضم في عضويته القوى الدولية الكبرى الفاعلة للإشراف على استقرار المنطقة.
- تفعيل آليات الرقابة والوساطة: صياغة آليات وساطة ومراقبة لوقف إطلاق النار مدعومة وموجهة من منظمة الأمم المتحدة.
المسعى الدبلوماسي لتعليق العضوية الأممية والفرض الفعلي للعقوبات
لم تقتصر المبادرة على الترتيبات الأمنية الإقليمية، بل امتدت لتطالب بإجراءات عقابية دولية رادعة ضد تل أبيب نتيجة انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي وسيادة دول المنطقة. وتتمثل هذه الإجراءات في مسارين رئيسيين:
- تعليق العضوية الأممية: تقديم طلب رسمي لتعليق حقوق إسرائيل ومزاياها في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالرغم من الواقعية السياسية والتعقيد القانوني الذي يحيط بهذا الإجراء بموجب المادة الخامسة من ميثاق الأمم المتحدة — والتي تشترط صدور توصية من مجلس الأمن الدولي لتتمكن الجمعية العامة من اتخاذ هذا القرار، وهو المسار الذي يصطدم مباشرة بحق النقض “الفيتو” الذي تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأقرب لإسرائيل.
- العقوبات الاقتصادية والعسكرية الشاملة: فرض قيود دولية صارمة تشمل حظر مبيعات الأسلحة والمعدات العسكرية، ووقف كافة الأنشطة الاقتصادية المشتركة، باستثناء المبادلات التجارية المرتبطة بالاحتياجات الإنسانية الضرورية.
شرارة التوتر المباشر: غارة قاعدة “أبو الظهور” الجوية
جاءت هذه المبادرة رداً مباشراً على الغارة الجوية التي شنتها المقاتلات الإسرائيلية في الثامن عشر من أغسطس لعام ألفين وستة وعشرين، مستهدفة قاعدة “أبو الظهور” الجوية الواقعة في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، على مسافة تقارب سبعين كيلومتراً (ثلاثة وأربعين ميلاً) من الحدود التركية. وأسفر الهجوم المتمثل في ثماني ضربات جوية عن أضرار مادية لحقت بمدرج المطار ومستودعات التخزين دون تسجيل خسائر بشرية.
وقد أحدث هذا الهجوم ردود فعل متبادلة زادت من حدة الاستقطاب:
- الاعتراف الإسرائيلي الضمني: أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضمنياً بمسؤولية بلاده عن القصف، مبرراً ذلك بعدم استجابة الجانب التركي لتحذيرات سابقة وجهتها تل أبيب.
- الإدانة التركية الحاسمة: وصفت أنقرة القصف بالاعتداء السافر على البنية التحتية والسيادة السورية، معلنة عزمها مواصلة دعم الحكومة السورية وإعادة بناء وتأهيل قواتها المسلحة.
- تحذيرات بهتشلي الصارمة: وجّه بهتشلي تحذيراً حاداً لإسرائيل بضرورة التوقف عن اختبار صبر أنقرة، أو اتخاذ خطوات تمس بمصالح الأمن القومي التركي بشكل مباشر أو غير مباشر، أو إطلاق تصريحات تحفز الجهات المعادية لتركيا. وأكد أن بلاده لا تسعى للصراع لكنها لن تتغاضى عن التهديدات أو تترك أمنها القومي تحت رحمة قوى خارجية.
السياق الجيوسياسي: التنافس على النفوذ في سوريا الجديدة
تأتي هذه التحركات في سياق صراع نفوذ متزايد بين أنقرة وتل أبيب على الأراضي السورية. فمنذ الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر من عام ألفين وأربعة وعشرين على يد قوات الرئيس الحالي أحمد الشرع، نجحت تركيا في بناء علاقات وثيقة مع الحكومة السورية الجديدة، وتسهم بشكل فعال في إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش السوري. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا التمدد العسكري والسياسي التركي في سوريا كتهديد استراتيجي مباشر لأمنها.
ونتيجة لذلك، نفذت إسرائيل مئات الضربات الجوية ضد منشآت عسكرية داخل سوريا منذ سقوط نظام الأسد. ولم تقتصر العمليات الإسرائيلية على الضربات الجوية، بل تجاوزتها لتدخل القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة وتفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية، بل وتوغلت داخل أراضٍ سورية قريبة.
تدهور العلاقات الثنائية والحسابات الانتخابية لنتنياهو
شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية تراجعاً حاداً وغير مسبوق على خلفية الحرب الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة. حيث أدان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً وتكراراً العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتُرجم هذا الموقف السياسي إلى خطوات عملية تمثلت في تعليق تركيا لكامل حركتها التجارية مع إسرائيل، وانضمامها رسمياً إلى دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جمهورية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
ومن جهة أخرى، تشير تحليلات المسؤولين الأتراك إلى أن التصعيد الإسرائيلي الراهن وتعمّد نتنياهو لإثارة التوترات مع أنقرة لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل. حيث يتهم المسؤولون في أنقرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بمحاولة الهروب إلى الأمام وتصعيد الأزمات الخارجية بغرض تحسين حظوظه الانتخابية وفرصه السياسية قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر لعام ألفين وستة وعشرين.

