أثار الكاتب والصحفي التركي المخضرم أرطغرل أوزكوك عاصفة سياسية وقانونية عندما شبّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالديكتاتور الإسباني الراحل فرانسيسكو فرانكو، وهي مقارنة لم تُستقبل باعتبارها مجرد رأي سياسي أو إسقاط تاريخي، بل دفعت الادعاء العام التركي إلى فتح تحقيق بحقه بتهمة “إهانة رئيس الجمهورية”.
ويرى المحلل السياسي التركي أرقم طوفان، في تحليل نشره عبر قناته على موقع يوتيوب، أن الضجة التي أُثيرت حول تصريحات أوزكوك لا تعود إلى المقارنة بحد ذاتها، بل إلى ما تحمله من قراءة عميقة لطبيعة النظام السياسي في تركيا، وإلى السؤال الذي تطرحه بشأن مستقبل هذا النظام في مرحلة ما بعد أردوغان.
نظام يتمحور حول شخص واحد
بحسب طوفان، فإن جوهر النقاش لا يتعلق بإجراء مقارنة مباشرة بين شخصيتين تاريخيتين، وإنما بتحليل بنية السلطة في تركيا خلال السنوات الأخيرة.
ويعتبر أن النظام الرئاسي الذي تشكل تدريجياً منذ التعديلات الدستورية أصبح قائماً بدرجة كبيرة على شخص الرئيس أردوغان، بحيث ارتبطت مراكز القرار، وآليات الحكم، والتوازنات السياسية بوجوده الشخصي أكثر من ارتباطها بالمؤسسات الدستورية.
ومن هذا المنطلق، يطرح طوفان سؤالاً يراه محورياً: ماذا سيحدث لهذا النظام عندما يغيب مؤسسه، خصوصاً في ظل تقدم أردوغان في العمر ووصوله إلى الثانية والسبعين؟
ويؤكد أن هذا التساؤل لا يدخل في إطار الإهانة أو التهديد، وإنما يمثل تحليلاً سياسياً لطبيعة الأنظمة التي تُبنى حول شخصية واحدة، وما تواجهه عادة من تحديات عند انتقال السلطة.
لماذا استُحضرت تجربة فرانكو؟
لفهم خلفية المقارنة، يعود طوفان إلى التجربة الإسبانية بقيادة فرانسيسكو فرانكو، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1936، وأدخل البلاد في حرب أهلية استمرت ثلاث سنوات بدعم من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.
ويشير إلى أن حكم فرانكو قام على إلغاء التعددية السياسية بصورة كاملة، إذ حُظرت الأحزاب والنقابات، وتحول البرلمان إلى مؤسسة شكلية فاقدة للتأثير الحقيقي، بينما تعرضت الهويات الثقافية واللغوية، ولا سيما الكتالونية والباسكية، لسياسات قمع واسعة.
كما شهدت تلك المرحلة اعتقال مئات الآلاف من المعارضين السياسيين، وتنفيذ إعدامات ميدانية خارج إطار القضاء، واستخدام السجناء في أعمال السخرة لبناء مشاريع ونصب تذكارية للنظام، إضافة إلى سياسات مثيرة للجدل شملت انتزاع أطفال بعض السجينات ومنحهم لعائلات موالية للنظام بعد تغيير هوياتهم.
ويرى طوفان أن هذه الوقائع لا تُستدعى للمساواة الحرفية بين التجربتين، وإنما لتوضيح كيفية تحول الأنظمة الشخصية إلى منظومات تحتكر السلطة وتعيد تشكيل مؤسسات الدولة بما يخدم استمرارها.
بين القمع العسكري والقمع القانوني
يشدد طوفان على أن تركيا تختلف عن إسبانيا في عهد فرانكو من حيث طريقة الوصول إلى السلطة؛ فأردوغان لم يأت عبر انقلاب عسكري، كما أن الانتخابات لا تزال تُجرى بصورة دورية.
إلا أنه يرى أن أدوات السيطرة تغيرت مع الزمن، وأن ما يسميه “الفرانكوية الحديثة” لا تعتمد بالضرورة على الدبابات، بل على إعادة تشكيل البيئة السياسية بطريقة تجعل المنافسة غير متكافئة.
ويقول إن موارد الدولة والإعلام الرسمي تُستخدم بصورة واسعة لدعم الحزب الحاكم، بينما تواجه قوى المعارضة ضغوطاً سياسية وإعلامية وقضائية تحد من قدرتها على المنافسة.
وفي هذا السياق، يصف طوفان القضاء بأنه أصبح، وفق رؤيته، الأداة الرئيسية لإدارة الصراع السياسي، حيث حل “رداء القاضي” محل “البزة العسكرية”، وأصبحت التحقيقات وملفات الإرهاب والإجراءات القضائية الوسيلة الأكثر استخداماً لإقصاء الخصوم السياسيين.
كما يربط بين هذه التحولات ومحاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016، معتبراً أنها شكلت نقطة مفصلية استُخدمت لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وترسيخ النظام الرئاسي بصلاحيات واسعة، ويصف هذه المرحلة بأنها لحظة أعادت رسم ميزان القوى داخل الدولة بصورة جذرية.
القضاء والعقوبة قبل صدور الأحكام
ويخصص طوفان جانباً مهماً من تحليله للحديث عن الدور الذي يلعبه القضاء في المشهد السياسي التركي.
فمن وجهة نظره، تبدأ العقوبة منذ لحظة فتح التحقيق أو إصدار قرار التوقيف، بغض النظر عن الأحكام النهائية، لأن الأثر السياسي يتحقق بمجرد إبعاد الشخص المستهدف عن الحياة العامة.
ويضرب عدة أمثلة يرى أنها تعكس هذا النمط، من بينها استمرار اعتقال الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش منذ عام 2016، رغم الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي رأت أن احتجازه يحمل دوافع سياسية ويستهدف الحد من التعددية السياسية.
كما يشير إلى رجل الأعمال والناشط المدني عثمان كافالا، الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد، رغم أن المحكمة الأوروبية اعتبرت استمرار احتجازه انتهاكاً لحقوق الإنسان، ورأت أن القضية تحمل أبعاداً سياسية.
ويتوقف كذلك عند ملف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي واجه خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الدعاوى القضائية والإجراءات الإدارية، بما في ذلك إلغاء شهادته الجامعية وفتح تحقيقات متلاحقة، وهي خطوات يرى طوفان أنها تهدف إلى تقليص فرصه السياسية باعتباره أحد أبرز المنافسين المحتملين للرئيس أردوغان.
وفي الإطار ذاته، يشير إلى استمرار سياسة فرض وصاية قضائية بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين، موضحاً أن نحو 150 رئيس بلدية أُبعدوا عن مناصبهم منذ عام 2016، وحل محلهم مسؤولون معينون من الحكومة، وهو ما يعتبره مساساً بإرادة الناخبين.
هاجس مرحلة ما بعد أردوغان
ويرى طوفان أن رد الفعل الحاد تجاه مقارنة أردوغان بفرانكو يرتبط في جوهره بالمخاوف من مرحلة ما بعد الرئيس الحالي أكثر من ارتباطه بالمقارنة نفسها.
فبحسب تحليله، يمثل أردوغان نقطة التوازن الأساسية داخل منظومة الحكم، إذ يحافظ على تماسك التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، كما يدير شبكة معقدة من التوازنات داخل مؤسسات الدولة.
ويضيف أن قطاعات من البيروقراطية، والجهاز القضائي، ورجال الأعمال المرتبطين بالمشروعات الحكومية، قد تخشى من مرحلة انتقال سياسي قد تفتح الباب أمام مراجعة ملفات السنوات الماضية، وما قد يرافق ذلك من مساءلات قانونية أو سياسية.
الديمقراطية لا تبدأ برحيل الحاكم
ويحذر طوفان من الاعتقاد بأن انتهاء حكم أي زعيم يعني تلقائياً الانتقال إلى الديمقراطية.
ويستشهد بالتجربة الإسبانية، موضحاً أن وفاة فرانكو عام 1975 لم تُفضِ مباشرة إلى نظام ديمقراطي، بل سبقتها سنوات من الحراك السياسي والاجتماعي والنقابي، قبل أن تتمكن إسبانيا من إقرار دستورها الديمقراطي عام 1978، في عملية انتقال طويلة شاركت فيها مختلف القوى السياسية والمجتمعية.
ومن هذا المنطلق، يرى أن مستقبل تركيا لن يتحدد فقط بخروج أردوغان من المشهد السياسي، بل بقدرة البلاد على إعادة بناء مؤسساتها على أسس تضمن استقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، وحرية الإعلام، ومنع تركيز النفوذ في يد شخص واحد مهما كانت شعبيته أو موقعه.
بين الشخص والمنظومة
ويخلص أرقم طوفان إلى أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بمقارنة أردوغان بفرانكو كشخصين، وإنما بطبيعة الأنظمة التي تتمحور حول الفرد وتصبح مؤسسات الدولة فيها مرتبطة بإرادة الحاكم أكثر من ارتباطها بالقواعد الدستورية.
وبحسب رؤيته، فإن التحدي الأكبر الذي قد تواجهه تركيا في المستقبل لا يتمثل في اختيار خليفة للرئيس الحالي، وإنما في بناء منظومة سياسية تحول دون إعادة إنتاج النموذج نفسه، عبر مؤسسات مستقلة وآليات رقابة فعالة وقضاء محايد يطبق القانون بمعزل عن الاعتبارات السياسية.
وفي هذا السياق، يفسر طوفان الحساسية الكبيرة التي أثارتها مقارنة فرانكو بأنها تعكس، في جانب منها، قلقاً من الأسئلة التي قد تطرحها مرحلة ما بعد أردوغان حول أداء مؤسسات الدولة، ومسؤولية السلطة، والملفات الحقوقية والقضائية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

