شهدت مدينة إسطنبول فجر الأربعاء تطوراً سياسياً وقضائياً جديداً مع توقيف رئيسة بلدية أوسكودار، سنم دده طاش، في إطار تحقيقات تتعلق بملفات فساد مزعومة، لتصبح أحدث مسؤول منتخب من حزب الشعب الجمهوري (CHP) يواجه إجراءات قضائية، في ظل استمرار موجة التحقيقات التي تستهدف البلديات التي تديرها المعارضة منذ الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2024.
وجاءت عملية التوقيف بعد مداهمات متزامنة نفذتها قوات الشرطة في عدة مناطق من إسطنبول، شملت أحد عشر موقعاً، حيث صادرت السلطات أجهزة ومواد رقمية قالت وسائل إعلام تركية إنها تدخل ضمن مجريات التحقيق.
وتكتسب القضية أهمية سياسية خاصة، نظراً لأن دده طاش تعد أول امرأة تتولى رئاسة بلدية أوسكودار، كما أنها أنهت ثلاثة عقود من سيطرة التيار الإسلامي المحافظ (الحزب الحاكم) على واحدة من أكثر المناطق رمزية بالنسبة للرئيس رجب طيب أردوغان.
النيابة توجه اتهامات تتعلق بالرشوة واستغلال المنصب
وأوضح مكتب المدعي العام في إسطنبول – الأناضول أن التحقيق يدور حول شبهات تتعلق بتلقي الرشاوى، والابتزاز عبر إساءة استخدام السلطة، إضافة إلى تأسيس وإدارة تنظيم إجرامي، وذلك في سياق إصدار تراخيص البناء وشهادات الإشغال الخاصة بالمشروعات العمرانية داخل البلدية.
ووفقاً لمجريات القضية، فإن التحقيق الحالي ليس جديداً بالكامل، إذ سبق أن أسفر عن توقيف ستة عشر شخصاً احتياطياً خلال عمليتين أمنيتين نُفذتا في شهر مايو الماضي، بينما جاءت العملية الأخيرة لتوسع نطاق التحقيق وتضم مسؤولين كباراً داخل البلدية.
مسؤولون بارزون ضمن قائمة الموقوفين
إلى جانب رئيسة البلدية، شملت قرارات التوقيف عدداً من كبار المسؤولين والموظفين المرتبطين بإدارة البلدية، وهم: نائب رئيس البلدية جيهون أونلو، ومدير مكتب رئيسة البلدية عليهان كوج أوغلو، والمهندسة المعمارية بورجين تشفيك، ورجل الأعمال والوسيط التجاري آدم ألتين طاش، إلى جانب المقاول بولنت أورهان توزكوباران.
ويعكس توقيف هذا العدد من المسؤولين أن التحقيق لا يقتصر على شخص رئيسة البلدية، وإنما يمتد إلى آليات منح التراخيص والمشروعات العمرانية التي نُفذت خلال الفترة الماضية.
بلدية ذات رمزية سياسية خاصة
لا تقتصر أهمية القضية على الجوانب القضائية، بل ترتبط أيضاً بالرمزية السياسية لبلدية أوسكودار.
ففي الانتخابات المحلية التي جرت في مارس/آذار 2024، تمكنت سنم دده طاش من تحقيق فوز لافت بحصولها على نحو 49.9 في المئة من الأصوات، متقدمة على رئيس البلدية السابق هلمي تركمان، مرشح حزب العدالة والتنمية، الذي نال 42.3 في المئة.
وشكل هذا الفوز تحولاً تاريخياً في المنطقة، إذ أنهى ثلاثين عاماً من سيطرة الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية على البلدية، وهي هيمنة بدأت مع حزب الرفاه عام 1994، واستمرت لاحقاً عبر الأحزاب التي تعاقبت على تمثيل هذا التيار، وصولاً إلى حزب العدالة والتنمية.
وتعد أوسكودار من أكثر مناطق إسطنبول محافظة، كما تضم المقر السكني الخاص للرئيس أردوغان، الأمر الذي منح نتائج الانتخابات فيها دلالات سياسية تجاوزت حدود البلدية نفسها.
كما دخلت دده طاش التاريخ باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة هذه البلدية منذ تأسيسها.
إمام أوغلو: استهداف لإرادة الناخبين
من داخل محبسه، أصدر رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، بياناً عبر حساب مكتبه الانتخابي، انتقد فيه توقيف دده طاش بشدة.
واعتبر أن تنفيذ عمليات أمنية فجراً بحق مسؤولين منتخبين يعكس، بحسب تعبيره، توجهاً لاستهداف الإرادة الشعبية عبر القضاء، متهماً السلطات بمحاولة تعويض ما وصفه بفقدان الثقة في صناديق الاقتراع من خلال المسارات القضائية.
وأضاف أن المواطنين، وفق رؤيته، يتطلعون إلى إحداث تغيير سياسي عبر الوسائل الديمقراطية خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويقبع إمام أوغلو نفسه في السجن منذ مارس/آذار 2025، بعدما أصبح الشخصية الأبرز في المعارضة التركية والمرشح الأكثر تداولاً لمنافسة الرئيس أردوغان في أي انتخابات رئاسية مقبلة.
انتقادات أوروبية
من جهته، دان حزب “الديمقراطيين الأوروبيين” عملية توقيف رئيسة بلدية أوسكودار، معتبراً أنها تأتي ضمن ما وصفه بحملة مستمرة تستهدف المعارضة الديمقراطية في تركيا.
وأشار الحزب إلى أن دده طاش وصلت إلى منصبها عبر صناديق الاقتراع ولم تُهزم انتخابياً، معتبراً أن دعمها لإمام أوغلو والمطالبة بالتغيير الديمقراطي أصبحا، بحسب وصفه، سبباً في استهدافها سياسياً.
كما دعا الحزب الدول الأوروبية إلى عدم التزام الصمت تجاه ما اعتبره إبعاداً للمسؤولين المنتخبين عبر تحقيقات ذات دوافع سياسية.
حلقة جديدة في سلسلة تحقيقات متصاعدة
يمثل توقيف دده طاش أحدث محطة في سلسلة طويلة من التحقيقات والإجراءات القضائية التي استهدفت البلديات التي يديرها حزب الشعب الجمهوري منذ الانتخابات المحلية لعام 2024، والتي حقق فيها الحزب أكبر تقدم انتخابي له منذ عقود، بعدما انتزع عدداً كبيراً من البلديات الكبرى والمحافظات من حزب العدالة والتنمية.
وخلال الأشهر الماضية، شملت التحقيقات عدداً من رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين، وفي مقدمتهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، إلى جانب مسؤولين في بلديات أخرى داخل إسطنبول ومدن تركية مختلفة، وهو ما جعل ملف البلديات أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الحياة السياسية التركية.
روايتان متعارضتان
يرى حزب الشعب الجمهوري وقوى المعارضة أن التحقيقات المتلاحقة تحمل طابعاً سياسياً، وتهدف إلى تقويض نفوذ الحزب بعد نجاحه الانتخابي الواسع، وإبعاد الشخصيات القادرة على منافسة الرئيس أردوغان في الاستحقاقات المقبلة، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.
في المقابل، تؤكد الحكومة التركية أن القضاء يعمل بصورة مستقلة، وتنفي وجود أي تدخل سياسي في مسار التحقيقات، مشددة على أن جميع القضايا تستند إلى شبهات جنائية وأدلة قانونية، وأن الإجراءات تُطبق وفق أحكام القانون دون تمييز بين المسؤولين.

