تعد تجربة الفنان والروائي التركي الشهير زولفو ليفانيلي، الذي أتم عامه الثمانين، بمثابة سجل حي للتحولات السياسية والاجتماعية في تركيا، حيث حلّ ضيفاً على برنامج “كتب تتحدث” الذي تنظمه “وقف الضمير” برئاسة البرلماني عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو من صفوف حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد.
وفي هذا اللقاء، الذي عُقد أمس الاثنين، تجلت رؤية ليفانيلي التي تعتبر “الضمير” هو البوصلة الوحيدة المتبقية في عصر يحاول طمس هذه القيمة الإنسانية، مشدداً على أن معاناته الشخصية تتقاطع مع معاناة ضحايا المراسيم القانونية (KHK) الحاليين، المؤلف أغلبيتهم الساحقة من أفراد حركة الخدمة، إذ يرى في كفاحهم صدى لما اختبره هو وأبناء جيله من قمع وتهميش.
ميثاق الضمير والاعتراف بالآخر
يؤكد ليفانيلي أن الضمير هو المرشد الحقيقي للإنسان في عتمة الأزمات، مشيداً بالدور المحوري الذي يؤديه عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو في الدفاع عن حقوق الإنسان، لدرجة أنه يراه الأحق بنيل جائزة نوبل للسلام نظير جهوده الاستثنائية في البرلمان ومن خلال مؤسسات المجتمع المدني. هذه الرؤية تنبع من إيمان عميق بأن الفن والضمير يجب أن يتجاوزا التصنيفات الضيقة؛ فالحزن على فقدان طفل مثل بيركين إلفان من الطائفة الكردية، لا يتعارض مع التعاطف مع المعلمة أيبوكي أو الطفل إرين بلبل من الأتراك، لأن الإنسان في جوهره يتجاوز الهويات القومية أو الحزبية.
جدلية الذاكرة ومحاولات المحو المنهجي
يسلط ليفانيلي الضوء على ظاهرة “محو الذاكرة” التي تمارسها الأنظمة، مستشهداً بواقعة تدمير أرشيف الكاتب أوميت كافتانجي أوغلو في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) بعد مقتله، حيث لم ينقذ أحد برامجه سوى عامل بسيط احتفظ بالشريط لسنوات. ويرى أن الحفاظ على الذاكرة حية هو واجب أخلاقي ووطني، ليس فقط من خلال الكتب، بل عبر السينما والفن، لمنع تكرار مآسي الماضي مثل إعدامات عام 1971 وما تلاها من انقلابات. إن الفجوة بين الأجيال تجعل الشباب ينظرون إلى أحداث السبعينيات كأنها تاريخ سحيق يشبه عهد الاتحاد والترقي، بينما هي جروح لا تزال تنزف في جسد الدولة المعاصرة.
الفن كجسر للوحدة في زنازين الاغتراب
تتجلى القوة الرمزية للفن في قدرته على صهر الفوارق الأيديولوجية؛ ففي شهادة مؤثرة لأحد ضحايا المراسيم القانونية، تبيّن كيف كان السجناء من خلفيات فكرية متناقضة يرددون معاً أغاني ليفانيلي مثل “غابة الحور الثلجية”. هذه الأغاني لم تكن مجرد ألحان، بل كانت أداة للمقاومة الثقافية ضد محاولات المنع والمصادرة التي تعرضت لها ألبوماته. يشدد ليفانيلي على أن الشعب هو من جعل أعماله “كلاسيكيات”، وأن قوة الجماهير تتفوق دائماً على بروباجندا الدولة أو رأس المال.
تجربة الاعتقال والانتظار القاتل
يتطرق ليفانيلي بتفصيل دقيق إلى الأثر النفسي للسجن، معتبراً أن السجون هي امتداد للنظام الذي يسعى لاستئصال من لا يرضى عنهم. ويصف “عذاب الانتظار” كأقسى أنواع الإيذاء النفسي؛ فالبقاء لمدة ثمانية أيام في انتظار اقتياده للتعذيب كان أصعب من التعذيب نفسه، حيث تتحول المخيلة إلى ساحة للألم والترقب. كما يسرد التناقضات الإنسانية داخل الزنزانة، حيث يشعر السجين بالخزي والذنب لمجرد الشعور بالراحة للحظة لأن اسمه لم يُذكر في قائمة المقتادين للتعذيب، رغم أن المقتاد هو رفيقه وصديقه.
مفارقة المواطنة والوطنية المشروطة
يعبر ليفانيلي عن مأساة “المثقف التركي” الذي يوصف بالخيانة رغم حبه العميق لبلاده، مشبهاً تركيا بـ “الحبيبة الغادرة” التي تستمر في خيانتك وتستمر أنت في عشقها. ويرى أن الدولة التركية تتبنى مفهومًا أحاديًا يرفض مشاركة المجتمع المدني والجامعات في الإدارة، مما أدى إلى خلق مناخ من “الوشاية” جعل الجيران يريبون في جيرانهم، وحوّل الأقارب إلى غرباء يتجنبون التواصل مع “المتهمين” خوفاً من الوصمة.
التحليل السياسي: تركيا ثلاثية الأقطاب
يطرح ليفانيلي رؤية تحليلية حول الانقسام المجتمعي، مؤكداً أن الصراع لم يعد بين اليمين واليسار بمفهومه التقليدي، بل تحول إلى استقطاب ثلاثي الأبعاد (عرقي، ديني، وقومي). هذا التشرذم يجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل الاستقرار، إلا أنه يرى أن مهمة المثقف هي تقريب هذه الأقطاب من بعضها البعض، رغم حالة الوحدة التي يعيشها الجيل الحالي مقارنة بجيله الذي كان محاطاً بعمالقة مثل يشار كمال وعزيز نيسين وناظم حكمت.
الأمل النشط في مواجهة الانهيار
في ختام رؤيته، يفرق ليفانيلي بين “الأمل السلبي” الذي ينتظر التغيير، و”الأمل النشط” الذي يعمل من أجله. ويستحضر مأساة ستيفان زفايج الذي انتحر يأساً من صعود النازية، معتبراً أن زفايج لو انتظر قليلاً لرأى هزيمة هتلر. إن التاريخ البشري، في نظر ليفانيلي، يسير في خطوط متعرجة؛ ورغم أننا قد نعيش في لحظة الهبوط، إلا أن المسار الطويل للبشرية يتجه حتماً نحو الأفضل، وما تأسيس “وقف الضمير” إلا دليل على هذا التقدم الإنساني المستمر.

