وصل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى جزيرة قبرص في زيارة توصف بأنها من أكثر التحركات الدبلوماسية أهمية منذ سنوات، في محاولة لإعادة إطلاق عملية السلام الخاصة بإعادة توحيد الجزيرة، بعد نحو تسع سنوات من تعثر المفاوضات الأممية، ولا سيما منذ انهيار محادثات كرانس مونتانا في سويسرا خلال يوليو/تموز 2017.
وتأتي هذه الزيارة في ظل متغيرات سياسية داخلية وإقليمية يُنظر إليها على أنها قد تفتح هامشاً جديداً للحوار، خصوصاً بعد الانتخابات الأخيرة في شمال قبرص، وما رافقها من تغير في المشهد السياسي هناك.
جدول لقاءات مكثف بين طرفي النزاع
يتضمن برنامج غوتيريش سلسلة اجتماعات منفصلة مع رئيس جمهورية قبرص نيكوس خريستودوليديس، ومع زعيم القبارصة الأتراك المنتخب توفان إرهورمان، حيث تُعقد اللقاءات على جانبي خط وقف إطلاق النار الذي يقسم الجزيرة منذ عقود.
كما يجمع الأمين العام للطرفين على مأدبة عشاء مشتركة، تمهيداً لعقد اجتماع ثلاثي يهدف إلى استكشاف فرص استئناف المفاوضات الرسمية، وبحث إمكانية التوصل إلى أرضية مشتركة تسمح بإحياء العملية السياسية المتوقفة.
وتعد هذه أول زيارة يقوم بها أمين عام للأمم المتحدة إلى قبرص منذ زيارة الأمين العام الأسبق بان كي مون عام 2010، ما يعكس الأهمية التي توليها المنظمة الدولية لهذا الملف في المرحلة الراهنة.
الأمم المتحدة: الهدف هو تهيئة الطريق للمفاوضات
أكدت المبعوثة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة إلى قبرص، ماريا أنخيلا هولغوين، أن مهمة غوتيريش لا تتمثل في فرض حلول أو تقديم مبادرات نهائية، وإنما في تشجيع القيادات السياسية وسكان الجزيرة على استعادة الثقة بالمسار التفاوضي.
وأوضحت أن الأمين العام كرّس جزءاً كبيراً من جهوده خلال السنوات العشر الماضية لدعم القضية القبرصية، معربة عن أملها في أن تسفر هذه الزيارة عن تقدم ملموس يعيد العملية السياسية إلى مسارها بعد سنوات طويلة من الجمود.
تغيير القيادة في شمال قبرص يعيد النقاش حول الوحدة
تكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد الانتخابات التي شهدها الشطر الشمالي الناطق بالتركية في أكتوبر الماضي، والتي انتهت بفوز طوفان إرهورمان، المعروف بتأييده خيار إعادة توحيد الجزيرة، على الرئيس السابق إرسين تتار الذي كان يحظى بدعم واضح من أنقرة ويتبنى رؤية تقوم على تثبيت واقع الدولتين.
ويرى مراقبون أن هذا التحول السياسي قد يمنح الأمم المتحدة فرصة لاختبار إمكانات جديدة لإحياء الحوار، رغم استمرار وجود تباينات عميقة بين مختلف الأطراف المعنية.
نيقوسيا تراهن على استثمار اللحظة السياسية
من جهتها، اعتبرت الحكومة القبرصية أن زيارة غوتيريش تمثل محطة مفصلية يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من الجهود الدبلوماسية.
وقال المتحدث باسم الحكومة، كونستانتينوس ليتيمبيوتيس، إن المبادرة الحالية تعكس انخراطاً شخصياً من الأمين العام للأمم المتحدة لإعادة القضية القبرصية إلى طاولة المفاوضات، معرباً عن أمله في أن يؤدي استمرار الاهتمام الأممي، بالتوازي مع التطورات الجارية في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، إلى توفير بيئة أكثر ملاءمة لتحقيق تقدم.
وأضاف أن بلاده ستسعى إلى استثمار أي فرصة، مهما كانت محدودة، إذا كانت تفتح الباب أمام استئناف العملية السياسية.
الموقف التركي لا يزال يتمسك بحل الدولتين
في المقابل، ما تزال تركيا متمسكة برؤيتها القائمة على الاعتراف بوجود دولتين منفصلتين في الجزيرة، وهو الموقف الذي كرره الرئيس رجب طيب أردوغان في مناسبات عديدة، داعياً إلى إقرار صيغة “التعايش بين دولتين” بدلاً من العودة إلى نموذج الدولة الاتحادية الذي تتبناه الأمم المتحدة وجمهورية قبرص.
ويعد هذا التباين أحد أبرز العقبات التي حالت طوال السنوات الماضية دون إحراز اختراق حقيقي في المفاوضات.
جذور الأزمة القبرصية
تعود الأزمة القبرصية إلى عام 1974 عندما تدخلت القوات التركية في شمال الجزيرة عقب انقلاب في نيقوسيا دعمته الحكومة العسكرية اليونانية آنذاك، وهو ما أدى إلى تقسيم الجزيرة إلى شطرين يفصل بينهما خط تشرف عليه قوات الأمم المتحدة.
وفي عام 1983 أُعلن قيام “جمهورية شمال قبرص التركية”، إلا أنها لم تحظ باعتراف دولي باستثناء تركيا، بينما بقيت جمهورية قبرص ممثلة للجزيرة على المستوى الدولي، وانضمت لاحقاً إلى الاتحاد الأوروبي.
ومنذ ذلك الحين، رعت الأمم المتحدة عشرات جولات التفاوض الهادفة إلى التوصل إلى تسوية شاملة، غير أن جميعها انتهى دون اتفاق نهائي، وكان آخرها مؤتمر كرانس مونتانا عام 2017 الذي انهارت خلاله المفاوضات رغم اقترابها من مراحل متقدمة.
تطورات سياقية تعيد الملف إلى الواجهة
تأتي المبادرة الأممية الجديدة في وقت تشهد فيه منطقة شرق المتوسط تغيرات سياسية وجيوسياسية متسارعة، أبرزها محاولات تحسين العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وتصاعد أهمية التعاون في مجالات الطاقة والأمن البحري، إضافة إلى تنامي الاهتمام الدولي باستقرار المنطقة في ظل الأزمات الإقليمية المتلاحقة.
كما أن انتخاب قيادة جديدة في شمال قبرص أكثر انفتاحاً على استئناف الحوار يمنح الأمم المتحدة مساحة دبلوماسية أوسع مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن نجاح هذه الجهود سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف على تجاوز الخلاف الجوهري بين مشروع إعادة التوحيد في إطار فيدرالي، ومشروع تثبيت حل الدولتين.

