كشفت تقارير اقتصادية عن بدء بنك الإمارات دبي الوطني (Emirates NBD)، أحد أكبر المؤسسات المصرفية في منطقة الخليج، مباحثات أولية للاستحواذ على أنشطة بنك إتش إس بي سي (HSBC) في تركيا، في خطوة قد تمثل واحدة من أبرز الصفقات المصرفية في السوق التركية خلال السنوات الأخيرة إذا وصلت إلى مراحلها النهائية.
وبحسب معلومات نقلتها وكالة بلومبرغ عن مصادر مطلعة على سير المفاوضات، فإن النقاشات لا تزال في بدايتها، ولم تتحول حتى الآن إلى اتفاق نهائي، الأمر الذي يعني أن الصفقة قد تتعثر أو تتغير شروطها خلال المراحل المقبلة.
صمت رسمي من الطرفين بشأن المفاوضات
التزمت الأطراف المعنية الحذر في التعليق على التقارير المتداولة.
فقد اكتفى متحدث باسم بنك إتش إس بي سي بالقول إن المؤسسة لا تعلق على التكهنات المتداولة في الأسواق، رافضاً تأكيد أو نفي المفاوضات.
أما بنك الإمارات دبي الوطني، فلم يصدر أي تعليق رسمي بشأن ما ورد في التقرير، وهو ما يعكس الطبيعة الحساسة للمفاوضات التي غالباً ما تبقى سرية إلى حين التوصل إلى اتفاقات ملزمة.
صفقة محتملة توسع نفوذ الإمارات دبي الوطني في تركيا
في حال اكتمال عملية الاستحواذ، فإن عمليات إتش إس بي سي تركيا ستنضم إلى المجموعة المصرفية التي يملكها بنك الإمارات دبي الوطني في البلاد، والتي تضم بالفعل دينيز بنك (DenizBank)، أحد أكبر البنوك الخاصة في تركيا.
وسيؤدي ذلك إلى تعزيز الحصة السوقية للمجموعة الإماراتية في القطاع المصرفي التركي، سواء من حيث حجم الأصول أو قاعدة العملاء أو شبكة الخدمات المصرفية.
وكان بنك الإمارات دبي الوطني قد عزز وجوده في تركيا عام 2019 عندما استكمل شراء 99.85% من أسهم دينيز بنك من البنك الروسي سبيربنك (Sberbank)، وذلك بعد الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة من السلطات المختصة في الإمارات وتركيا والنمسا وروسيا.
وشكلت تلك الصفقة نقطة تحول في توسع البنك الإماراتي خارج أسواق الخليج، إذ أصبحت تركيا إحدى أهم الأسواق الخارجية في استراتيجيته الإقليمية.
دينيز بنك يشكل قاعدة قوية للتوسع
يعتمد بنك الإمارات دبي الوطني على البنية الواسعة التي يمتلكها دينيز بنك داخل تركيا.
وتضم الشبكة المصرفية للبنك 578 فرعاً موزعة بين تركيا ومدينة كيرينيا في شمال قبرص والبحرين، إلى جانب شركة دينيز بنك إيه جي (DenizBank AG) التابعة له في العاصمة النمساوية فيينا، والتي تدير 13 فرعاً إضافياً.
وتمنح هذه الشبكة البنك الإماراتي حضوراً واسعاً في الأسواق الإقليمية، الأمر الذي يجعل أي استحواذ جديد على أعمال إتش إس بي سي في تركيا مكملاً لاستراتيجية التوسع القائمة، وليس مشروعاً منفصلاً عنها.
تراجع تدريجي لحضور إتش إس بي سي في السوق التركية
على النقيض من توسع الإمارات دبي الوطني، شهدت عمليات إتش إس بي سي تركيا انكماشاً ملحوظاً خلال العقد الأخير.
ويعود وجود البنك البريطاني في السوق التركية إلى عام 1990، حيث يقدم خدمات مصرفية للشركات، والخدمات المصرفية للأفراد، وإدارة الثروات.
وكان البنك قد عزز حضوره بشكل كبير عام 2001 عندما استحوذ على دمير بنك (Demirbank)، الذي كانت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية قد استولت عليه خلال الأزمة المالية الحادة التي شهدتها البلاد مطلع الألفية.
إلا أن تغير الظروف الاقتصادية لاحقاً دفع البنك إلى إعادة النظر في استراتيجيته داخل تركيا، مع تزايد تأثير تقلبات سعر صرف الليرة التركية، وتشديد اللوائح التنظيمية، وارتفاع حدة المنافسة بين البنوك المحلية والدولية.
تقلص كبير في شبكة الفروع والموظفين
تعكس الأرقام حجم التراجع الذي شهده البنك في تركيا خلال السنوات الماضية.
ففي عام 2013، كان إتش إس بي سي تركيا يمتلك 315 فرعاً ويشغل نحو ستة آلاف موظف.
لكن بحلول سبتمبر/أيلول 2019، تقلصت الشبكة إلى نحو 80 فرعاً فقط، وانخفض عدد العاملين إلى قرابة ألفي موظف.
واستمر هذا الاتجاه بعد ذلك، ليصل عدد الفروع حالياً إلى نحو 36 فرعاً فقط، بينما أصبح البنك يحتل المرتبة الخامسة عشرة بين البنوك العاملة في تركيا من حيث حجم الأصول.
كما تشير أحدث بيانات القطاع المصرفي إلى أن حصته من إجمالي القروض في السوق التركية لا تتجاوز 0.3%، وهو ما يعكس تراجع وزنه مقارنة بالمنافسين المحليين.
محاولات سابقة للخروج من السوق التركية
ليست هذه المرة الأولى التي يبحث فيها إتش إس بي سي عن التخارج من السوق التركية.
ففي عام 2015، دخل البنك في مفاوضات لبيع عملياته إلى البنك الهولندي آي إن جي (ING Groep NV)، إلا أن الصفقة لم تكتمل.
وفي عام 2020، ذكرت وكالة رويترز أن البنك أعاد دراسة خيار الانسحاب من تركيا مجدداً، شريطة العثور على مشترٍ محلي مناسب، إلا أن تلك المحاولة أيضاً لم تسفر عن اتفاق.
وتشير المفاوضات الحالية مع بنك الإمارات دبي الوطني إلى أن خيار التخارج لا يزال مطروحاً ضمن الاستراتيجية العالمية للمجموعة البريطانية.
إعادة هيكلة عالمية داخل مجموعة إتش إس بي سي
تأتي هذه التطورات في إطار عملية إعادة هيكلة واسعة تنفذها مجموعة إتش إس بي سي على مستوى العالم منذ تولي جورج الحديري (Georges Elhedery) منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة خلال عام 2024.
وتركز الخطة الجديدة على خفض النفقات التشغيلية، وإعادة تنظيم هيكل الإدارة، وتسريع اتخاذ القرارات، إلى جانب مراجعة الأسواق التي تحقق عوائد محدودة مقارنة بحجم الاستثمارات.
وكانت وكالة رويترز قد أشارت في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى أن المجموعة تنفذ برنامجاً شاملاً لإعادة هيكلة أعمالها العالمية بهدف رفع الكفاءة وتحسين الربحية، وهو ما يفسر استمرار مراجعة وجودها في بعض الأسواق، ومن بينها تركيا.
موافقات تنظيمية شرط أساسي لإتمام الصفقة
ورغم أهمية الصفقة المحتملة، فإن انتقال ملكية أعمال إتش إس بي سي في تركيا لن يكون ممكناً إلا بعد الحصول على موافقات الجهات الرقابية التركية المختصة، إضافة إلى استكمال الإجراءات القانونية والتنظيمية المرتبطة بقطاع البنوك.
وفي حال إتمامها، ستعد العملية واحدة من أكبر التحركات الاستثمارية التي ينفذها بنك الإمارات دبي الوطني في السوق التركية منذ استحواذه على دينيز بنك قبل ستة أعوام.
دلالات اقتصادية واستراتيجية
تعكس المفاوضات الحالية استمرار جاذبية القطاع المصرفي التركي للمؤسسات المالية الخليجية رغم التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، بما في ذلك تقلبات سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم وتشديد السياسة النقدية خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، تكشف هذه الخطوة عن تحول في أولويات البنوك العالمية الكبرى، التي أصبحت تميل إلى التركيز على الأسواق الأكثر ربحية، مع التخارج التدريجي من بعض الأسواق التي تتطلب استثمارات مرتفعة مقابل عوائد محدودة.
كما تؤكد الصفقة المحتملة تنامي الحضور الاقتصادي والاستثماري الخليجي في تركيا، وهو توجه شهد زخماً ملحوظاً خلال الأعوام الأخيرة، مدفوعاً بتحسن العلاقات السياسية بين أنقرة ودول الخليج، وازدياد الاستثمارات الإماراتية في قطاعات المال والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
خلاصة
يدرس بنك الإمارات دبي الوطني الاستحواذ على أعمال إتش إس بي سي في تركيا ضمن مفاوضات لا تزال في مراحلها الأولية، في خطوة قد تعزز موقعه داخل أحد أكبر الأسواق المصرفية في المنطقة. وفي المقابل، ينسجم احتمال تخارج إتش إس بي سي مع استراتيجية إعادة الهيكلة العالمية التي تتبناها المجموعة البريطانية منذ عام 2024.

