في خضم التوترات الإقليمية، عبّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن ترحيبه بالهدنة المؤقتة بين إيران والولايات المتحدة، معتبراً إياها خطوة إيجابية، لكنه في الوقت ذاته حمّل إسرائيل مسؤولية تقويض فرص السلام في المنطقة. وأكد أن استمرار الهجمات على لبنان يجعل أي حديث عن مفاوضات بلا جدوى، مشدداً على أن السلام – إن تحقق – سيكون رغم السياسات الإسرائيلية وليس بفضلها.
كما ردّ أردوغان على تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان قد وجّه انتقادات مباشرة له، قائلاً إن “لا قوة يمكنها أن تلوّح بإصبعها في وجه تركيا أو قيادتها”.
تصعيد في الخطاب أم استمرار للنهج؟
يرى الصحفي والمحلل السياسي التركي لفند جولتكين أن نبرة الخطاب هذه المرة بدت أكثر حدّة مقارنة بالسابق، إلا أنه يعتبر أن المضمون لم يتغير جذرياً. فبحسب تقييمه، يواصل أردوغان تجنب توجيه أي انتقاد مباشر للولايات المتحدة، في حين يحمّل إسرائيل كامل المسؤولية عن التوترات.
كما أشار إلى أن أردوغان وجّه إشادة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، واصفاً إياه بـ“الصديق”، في خطوة تعكس اصطفافات سياسية ضمن المشهد الدولي الراهن.
“خطاب بلا أفعال”: انتقادات للتركيز على الشعارات
جولتكين يقدّم قراءة نقدية حادة، إذ يرى أن الخطاب السياسي التركي يغلب عليه الطابع العاطفي والتعبوي دون أن يقترن بإجراءات ملموسة. ويعتبر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق التصريحات القوية، بل في بناء سياسات داخلية تعزز مناعة الدولة.
ويضيف أن التصفيق داخل الاجتماعات الحزبية لا يعكس بالضرورة قوة حقيقية، بل قد يخفي غياب خطوات عملية لمعالجة التحديات. فالدولة، برأيه، مطالبة بتعزيز التماسك الداخلي والمؤسساتي بدلاً من الاكتفاء بالمواقف الخطابية.
الأمن الداخلي كبديل عن الخطاب التصعيدي
وفقاً لجولتكين، فإن الرد الفعّال على التهديدات الخارجية لا يكون عبر التصعيد اللفظي، بل من خلال تقوية الجبهة الداخلية. ويشدد على أهمية إصلاح المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتقليص الانقسامات المجتمعية، باعتبارها عوامل أساسية لردع أي تهديد خارجي.
كما ينتقد غياب خطوات ملموسة لمعالجة مشكلات مثل القضاء، والاستقطاب السياسي، والتوترات الاجتماعية، معتبراً أن هذه الثغرات تجعل البلاد أكثر عرضة للضغوط.
الملف الكردي: غموض مستمر وغياب الحلول
يتناول جولتكين ما يُعرف بمشروع “تركيا بلا إرهاب”، مشيراً إلى أن الخطاب الرسمي يكرر شعارات الأخوة بين الأتراك والأكراد، دون تقديم خطة واضحة لمعالجة جذور المشكلة.
ويرى أن تقليص القضية إلى مسألة تتعلق بوضع زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان لا يعكس حقيقة الأزمة، التي تعود إلى عقود من التوترات السياسية والاجتماعية. ويؤكد أن الحل يتطلب إرساء المساواة القانونية، وإنهاء التمييز، وتطبيق قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهي خطوات لم تتحقق حتى الآن.
حسابات سياسية تعرقل المسار
يطرح جولتكين فرضية أن التقدم في هذا الملف مرتبط بحسابات سياسية داخلية، خاصة فيما يتعلق بالتحالفات والانتخابات والتعديلات الدستورية. ويرى أن بعض القوى السياسية تتردد في اتخاذ خطوات حقيقية ما لم تخدم بقاءها في السلطة.
كما يشير إلى أن العلاقة مع الأحزاب الكردية، مثل حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب ، تتأثر بحسابات التوازن السياسي، ما ينعكس على بطء أو توقف أي مبادرات للحل.
الأزمة الاقتصادية: التحدي الأكبر للحكومة
ينتقل التحليل إلى الداخل، حيث يصف جولتكين الاقتصاد بأنه “كابوس” يلاحق الحكومة. فمعدلات التضخم المرتفعة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تضع السلطة أمام اختبار صعب.
ويشير إلى أن السياسات الاقتصادية الحالية، رغم إدارتها من قبل محمد شيمشك، لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، خصوصاً في ظل استمرار معدلات الفائدة المرتفعة والتضخم الغذائي.
كما يقارن ذلك بالمرحلة السابقة التي قادها نور الدين نباتي، والتي وُصفت بسياسات غير تقليدية، دون أن يؤدي التغيير إلى تحسن ملموس حتى الآن.
نقطة التحول: النظام السياسي والاقتصاد
يرى جولتكين أن جوهر الأزمة الاقتصادية يرتبط بطبيعة النظام السياسي، معتبراً أن “نظام الرجل الواحد” يضعف المؤسسات ويقوّض استقلال القضاء، ما ينعكس سلباً على الاقتصاد.
ويؤكد أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يتطلب العودة إلى نظام مؤسسي قائم على التوازن بين السلطات، مشيراً إلى أن استمرار الوضع الحالي يجعل من الصعب تحقيق استقرار اقتصادي مستدام.
الانتخابات المقبلة: غموض في التوقيت والمسار
فيما يتعلق بالانتخابات، أشار أردوغان إلى أنها ستُجرى في موعدها عام 2028، إلا أن جولتكين يشكك في حسم هذا القرار، معتبراً أن المشهد لا يزال مفتوحاً على عدة سيناريوهات.
ويربط إمكانية إجراء انتخابات مبكرة بعدة عوامل، من بينها تطورات الاقتصاد، والتوازنات الدولية، خاصة في ظل دور دونالد ترامب واحتمالات التغير في السياسة الأمريكية، إضافة إلى إعادة تشكيل التحالفات الداخلية.
خريطة طريق غير مكتملة
يخلص جولتكين إلى أن القيادة التركية لم تحسم بعد مسارها السياسي، سواء فيما يتعلق بالانتخابات أو الإصلاحات أو إدارة الأزمات. ويرى أن غياب رؤية واضحة يعكس حالة من التردد، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية.

