في خطوة تعكس استمرار قنوات التواصل السياسي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا رغم الخلافات المتراكمة، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة وفداً أوروبياً رفيع المستوى برئاسة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، وذلك قبل أيام قليلة من استضافة تركيا قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة يومي السابع والثامن من يوليو/تموز.
وتأتي الزيارة في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية والدولية للإجراءات الأمنية والقضائية التي اتخذتها السلطات التركية قبيل القمة، والتي شملت حملة اعتقالات واسعة وفرض قيود على الاحتجاجات ووسائل الإعلام، ما أعاد ملف حقوق الإنسان إلى واجهة العلاقات بين أنقرة وبروكسل.
تشكيلة الوفد الأوروبي ورسائل الزيارة
ضم الوفد الأوروبي إلى جانب كايا كالاس كلاً من مارتا كوس، مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع، وماغنوس برونر، المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، في إشارة إلى أن الزيارة لم تقتصر على الملفات السياسية والأمنية، بل شملت أيضاً قضايا الهجرة والتعاون المؤسسي ومستقبل العلاقات الثنائية.
وعُقد الاجتماع مع أردوغان خلف أبواب مغلقة، بمشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة برهان الدين دوران، وكبير مستشاري الرئيس أكف جاغاطاي قليتش.
ولم تصدر الرئاسة التركية أو مؤسسات الاتحاد الأوروبي أي تفاصيل رسمية بشأن مضمون المحادثات، الأمر الذي أبقى نتائج اللقاء ضمن نطاق التقديرات السياسية، خاصة في ظل حساسية الملفات المطروحة.
ملفات استراتيجية على جدول الأعمال
أوضحت المفوضية الأوروبية أن الهدف الأساسي من الزيارة يتمثل في دفع التعاون بين الجانبين في عدد من القضايا ذات الأولوية المشتركة، مؤكدة أن الوفد سيجري أيضاً مباحثات مع وزير الخارجية هاكان فيدان.
وشملت الملفات المطروحة مستقبل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، والتحديات الأمنية الإقليمية، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والأوضاع المتدهورة في الشرق الأوسط، إلى جانب التطورات في شرق البحر المتوسط، وقضايا الربط الإقليمي والبنية التحتية والتعاون في مجالات الأمن والهجرة.
وتعكس هذه الأجندة استمرار اعتماد الاتحاد الأوروبي على تركيا باعتبارها شريكاً مهماً في ملفات الأمن الإقليمي والهجرة والطاقة، رغم استمرار الخلافات السياسية والحقوقية بين الطرفين.
ضغوط أوروبية متزايدة بشأن حقوق الإنسان
تزامنت الزيارة مع تصاعد الضغوط داخل المؤسسات الأوروبية على الحكومة التركية في ملف حقوق الإنسان.
فقد اعتمد البرلمان الأوروبي خلال الشهر الجاري تقريراً دعا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى دراسة فرض إجراءات ضمن نظام العقوبات الأوروبي العالمي الخاص بحقوق الإنسان بحق مسؤولين أتراك متهمين بارتكاب انتهاكات حقوقية، وكان من بين الأسماء الواردة في التقرير وزير العدل أكين غورلك.
واعتبر التقرير أن استمرار الانتهاكات بحق المعارضين والنشطاء والإعلاميين يستوجب استخدام أدوات الضغط المتاحة لدى الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، رفضت الحكومة التركية التقرير بشكل قاطع، ووصفت مضمونه بأنه يستند إلى ادعاءات لا أساس لها من الصحة، معتبرة أنه يشكل تدخلاً في استقلال القضاء التركي ومحاولة لاستهداف المؤسسات القضائية.
الاعتقالات قبل القمة تعمق الانتقادات الدولية
لم تقتصر الانتقادات الأوروبية على الجوانب السياسية، بل امتدت إلى الإجراءات الأمنية التي اتخذتها أنقرة استعداداً لاستضافة قمة الناتو.
فقد أكدت هيومن رايتس ووتش أن اعتقال ما لا يقل عن 209 أشخاص في العاصمة أنقرة قبل انعقاد القمة يعكس – بحسب وصفها – “عدم تسامح شديد” مع حرية التعبير وحرية التجمع السلمي.
وبعد ذلك، أفادت وسائل إعلام تركية بأن المحاكم قررت إيداع 178 شخصاً السجن الاحتياطي بانتظار المحاكمة، في إطار التحقيقات التي تصفها النيابة العامة بأنها مرتبطة بملفات “الإرهاب”.
وضمت قائمة المحتجزين صحفيين، وأكاديميين، ومحامين، وطلاباً، وناشطين بيئيين، إلى جانب شخصيات تنتمي إلى منظمات المجتمع المدني، وهو ما أثار انتقادات متزايدة من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.
حرية الصحافة تدخل دائرة الجدل
وفي موازاة الانتقادات المتعلقة بالاعتقالات، برزت قضية أخرى أثارت اعتراضات منظمات الصحافة، بعد رفض منح الاعتماد الإعلامي لعدد من المؤسسات الإعلامية والصحفيين الأتراك المعروفين بتوجهاتهم النقدية للحكومة، ما حال دون مشاركتهم في تغطية أعمال القمة.
ورأت منظمات إعلامية أن هذه الخطوة تمثل تراجعاً إضافياً في أوضاع حرية الصحافة داخل تركيا، وتحد من التعددية الإعلامية في حدث دولي يحظى باهتمام عالمي واسع.
من جهته، أوضح حلف شمال الأطلسي أن منح التصاريح الخاصة بالصحفيين المحليين يتم استناداً إلى تقييم الدولة المضيفة، مؤكداً استمرار التواصل مع السلطات التركية بشأن ترتيبات التغطية الإعلامية.
أنقرة تستعد لاستقبال قادة الحلف وشركائه
من المقرر أن تستضيف أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو/تموز قادة الدول الأعضاء في حلف الناتو وعددهم 32 دولة، إضافة إلى مسؤولين وممثلين عن دول الخليج ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، في واحدة من أبرز القمم الأمنية التي تستضيفها تركيا خلال السنوات الأخيرة.
ويأمل الرئيس رجب طيب أردوغان أن تشكل القمة فرصة لتعزيز موقع تركيا داخل الحلف، من خلال التركيز على وحدة الدول الأعضاء في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة، والعمل على إنهاء القيود المفروضة على صادرات الصناعات الدفاعية إلى تركيا، فضلاً عن دعم انخراط أنقرة بصورة أكبر في المبادرات الدفاعية الأوروبية التي تشهد زخماً متزايداً منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
دلالات الزيارة
تعكس زيارة الوفد الأوروبي محاولة للحفاظ على قنوات الحوار مع تركيا في مرحلة تتقاطع فيها المصالح الأمنية مع الخلافات السياسية والحقوقية. فمن جهة، لا يزال الاتحاد الأوروبي ينظر إلى أنقرة بوصفها شريكاً لا غنى عنه في ملفات الهجرة والأمن الإقليمي والدفاع، بينما تواصل المؤسسات الأوروبية ممارسة ضغوط متزايدة بشأن استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وحقوق الإنسان.
ويبدو أن قمة الناتو لن تكون مجرد مناسبة لمناقشة التحديات العسكرية والأمنية، بل ستتحول أيضاً إلى اختبار سياسي لقدرة تركيا على إدارة التوازن بين متطلبات الأمن الداخلي والالتزامات المرتبطة بالحريات العامة، في وقت تراقب فيه العواصم الغربية عن كثب التطورات الحقوقية داخل البلاد.
خلاصة
تأتي زيارة الوفد الأوروبي إلى أنقرة عشية قمة الناتو في ظل تداخل الملفات الأمنية مع الخلافات الحقوقية، حيث يسعى الطرفان إلى الحفاظ على التعاون الاستراتيجي رغم تصاعد الانتقادات الأوروبية للإجراءات التركية الأخيرة. وفي المقابل، تؤكد أنقرة تمسكها بخياراتها الأمنية وترفض الاتهامات الموجهة إليها، مع سعيها لاستثمار القمة في تعزيز دورها داخل الحلف والمنظومة الدفاعية الأوروبية.

