وسّعت السلطات التركية دائرة القيود المفروضة على المحتوى الرقمي، بعدما حجبت داخل البلاد منشورات على منصة “إكس” تضمنت مقاطع مقتطفة من العرض الكوميدي “أولو دنيز” (البحر الميت) للفنان الكوميدي دنيز غوكتاش، وذلك استنادًا إلى مبررات تتعلق بحماية الأمن القومي والنظام العام.
وجرى تنفيذ الحجب عبر المنصة استجابةً لقرار صدر بموجب المادة الثامنة/أ من القانون التركي رقم 5651، وهو التشريع المنظم للجرائم الإلكترونية وتنظيم المحتوى المنشور على الإنترنت، بحسب ما أعلنته جمعية حرية التعبير (İFÖD)، التي تتابع قضايا الرقابة الرقمية وحرية التعبير في تركيا.
المادة القانونية المستخدمة في الحجب
تمنح المادة الثامنة/أ السلطات التركية صلاحية إصدار قرارات عاجلة بإزالة المحتوى أو حجب الوصول إليه عندما تعتبر أن المنشورات تمثل خطرًا على الأمن القومي أو النظام العام، أو ترتبط بمنع وقوع الجرائم، أو حماية الصحة العامة، أو الحفاظ على الأرواح والممتلكات.
واستند قرار الحجب إلى هذه المادة، رغم أن المقاطع المحجوبة تعود إلى عرض كوميدي ساخر، ودون أن يصدر حتى الآن أي توضيح رسمي يبين الأسباب التي جعلت تلك المقاطع تُصنف باعتبارها تهديدًا للأمن القومي أو النظام العام.
عرض كوميدي يتحول إلى قضية سياسية
كان دنيز غوكتاش قد قدّم عرضه “أولو دنيز” في الأول من يونيو على مسرح حرربية جَميل طوبوزلو المفتوح في إسطنبول، قبل أن ينشر التسجيل الكامل مجانًا على منصة يوتيوب في الرابع والعشرين من يونيو.
ولم يستغرق العرض وقتًا طويلًا حتى تحول إلى ظاهرة واسعة الانتشار، إذ تجاوز مليوني مشاهدة خلال أيام قليلة، وأثار نقاشًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا بسبب تناوله شخصيات وقضايا حساسة في المشهد التركي بأسلوب ساخر.
وتناول العرض الرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، إلى جانب عدد من السياسيين المعتقلين، والاحتجاجات التي شهدتها إسطنبول، فضلاً عن القرار القضائي الذي قضى بإلغاء نتائج المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري المنعقد عام 2023، وهو القرار الذي أثار جدلًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا داخل البلاد.
انتقادات من مسؤول سابق في حزب العدالة والتنمية
جاء قرار الحجب بعد موجة انتقادات أطلقها شامل طيار، العضو السابق في الهيئة التنفيذية العليا لحزب العدالة والتنمية، الذي اعتبر أن بعض فقرات العرض تجاوزت حدود الكوميديا ووصلت إلى مستوى الإساءة للرئيس أردوغان.
ورأى طيار أن تلك التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مادة ساخرة، وهو ما فتح الباب أمام اتخاذ إجراءات قانونية بحق المحتوى المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي.
إمام أوغلو حاضر في المشهد
أعاد العرض أيضًا تسليط الضوء على قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي لا يزال محتجزًا منذ مارس 2025 على خلفية اتهامات بالفساد، بينما يؤكد حزب الشعب الجمهوري أن القضية ذات دوافع سياسية، وتستهدف إقصاء أبرز منافسي الرئيس أردوغان من الحياة السياسية.
وجعلت الإشارات الساخرة إلى هذه القضية العرض أكثر حساسية في ظل استمرار الجدل الداخلي بشأن استقلال القضاء وحدود المنافسة السياسية في تركيا.
غياب التبرير الرسمي
حتى موعد نشر التقارير المتعلقة بالقضية، لم تصدر السلطات التركية بيانًا رسميًا يوضح الأساس القانوني أو الأمني الذي استند إليه قرار اعتبار مقاطع من عرض فكاهي تهديدًا للأمن القومي أو النظام العام.
وأثار هذا الغياب مزيدًا من التساؤلات لدى منظمات حقوق الإنسان والجهات المعنية بحرية الإعلام حول معايير تطبيق قانون الإنترنت، ومدى اتساع تفسير مفاهيم الأمن القومي في القضايا المرتبطة بالتعبير السياسي أو السخرية.
سياق أوسع لتقييد المحتوى الرقمي
لا يُنظر إلى هذه القضية باعتبارها حادثة منفصلة، بل تأتي ضمن سياق أوسع شهدته تركيا خلال السنوات الأخيرة، حيث توسعت السلطات في استخدام التشريعات الخاصة بالإنترنت لتنظيم المحتوى المنشور على المنصات الرقمية.
وشملت هذه الإجراءات سابقًا حجب مواقع إلكترونية، وإزالة منشورات، وتقييد الوصول إلى مواد إعلامية وسياسية، إضافة إلى ملاحقات قانونية استهدفت صحفيين وناشطين وصناع محتوى بتهم تتعلق بإهانة مؤسسات الدولة أو نشر معلومات مضللة أو تهديد الأمن العام.
وتؤكد منظمات حقوقية أن هذه السياسة أسهمت في زيادة القيود المفروضة على حرية التعبير في الفضاء الرقمي، بينما تؤكد الحكومة التركية أن الإجراءات تأتي في إطار تطبيق القانون وحماية الأمن والاستقرار.
التطورات السياقية الأخيرة
تتزامن هذه القضية مع استمرار الجدل في تركيا حول حدود حرية التعبير على الإنترنت، خاصة بعد التعديلات التشريعية التي وسعت صلاحيات السلطات في مراقبة المحتوى الرقمي وإصدار قرارات عاجلة بحجبه. كما تواصل منظمات محلية ودولية معنية بحرية الصحافة والتعبير متابعة هذه الإجراءات، معتبرة أن استخدامها في القضايا ذات الطابع السياسي يعكس تصاعد الرقابة على المنصات الرقمية، في حين تؤكد الحكومة أن تلك التدابير ضرورية لمواجهة التهديدات الأمنية والحفاظ على النظام العام.
دلالات
تكشف قضية حجب مقاطع عرض دنيز غوكتاش عن استمرار التداخل بين القانون والسياسة في إدارة الفضاء الرقمي التركي، حيث باتت الأعمال الساخرة التي تتناول شخصيات أو قضايا سياسية عرضة لإجراءات قانونية سريعة إذا اعتُبرت متجاوزة للحدود التي ترسمها السلطات.
كما تعكس القضية تصاعد أهمية منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها ساحة رئيسية للنقاش السياسي، الأمر الذي يدفع الدولة إلى تشديد أدوات الرقابة عليها، في مقابل تزايد مطالب المدافعين عن حرية التعبير بضرورة وضع معايير أكثر وضوحًا وشفافية للفصل بين النقد السياسي المشروع والمخالفات القانونية.
خلاصة
يعكس حجب مقاطع من العرض الكوميدي “أولو دنيز” استمرار اعتماد السلطات التركية على تشريعات الإنترنت لتقييد المحتوى ذي الطابع السياسي، في ظل غياب تفسير رسمي للأسباب الأمنية التي استند إليها القرار.
وتبقى القضية جزءًا من الجدل المستمر حول التوازن بين حماية الأمن القومي وضمان حرية التعبير، خاصة في ظل تنامي دور المنصات الرقمية في الحياة السياسية التركية.

