بقلم: ياوز أجار
تشهد منطقة الشرق الأوسط منعطفاً تاريخياً حاسماً تجلى في توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وهي الخطوة التي جاءت لتضع حداً لمواجهة عسكرية ضارية استمرت خمسة عشر أسبوعاً. لم تكن هذه المذكرة مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل مثلت تدشيناً لمسار دبلوماسي جديد أعاد فتح القنوات التفاوضية المغلقة. ومن الناحية الإجرائية، تضمن الاتفاق بنوداً حيوية تمثلت في تأمين الملاحة الدولية عبر إعادة فتح مضيق هرمز، وتحديد سقف زمني قوامه ستون يوماً لإطلاق مفاوضات معمقة تشمل الملف النووي الإيراني وملف العقوبات الاقتصادية. وتعكس هذه التطورات، التي قادتها وساطة فاعلة من باكستان وقطر، رغبة دولية في احتواء التصعيد وضمان تدفقات الطاقة العالمية.
انبعاث “مبدأ نيكسون” برؤية عصرية
تذهب القراءات الاستراتيجية، لا سيما ما طرحه المحلل إلدار محمدوف من لاتفيا في “ناشيونال إنترست”، إلى أننا بصدد نسخة مطورة من “مبدأ نيكسون” الذي صِيغ عام 1969. فبينما كان المبدأ القديم يهدف إلى جعل الولايات المتحدة “داعمًا” لا “شرطيًا” عبر ركيزتين تابعتين (السعودية وإيران قبل الثورة)، فإن النموذج الحالي يتجاوز التبعية التقليدية نحو شبكة من القوى المستقلة. هذا التحول يعبر عن إدراك واشنطن المتزايد للتكلفة الباهظة للتدخل العسكري المباشر، مما دفعها لتبني دور “الموازن الخارجي” الذي يمنح القوى الإقليمية مسؤولية إدارة أمنها الذاتي تحت غطاء سياسي ودبلوماسي أمريكي.
مثلث القوة الإقليمي: باكستان والسعودية وتركيا
يبرز في هذا المشهد تكتل ثلاثي يشكل حجر الزاوية في النظام الناشئ، حيث تحولت باكستان من مجرد وسيط إلى لاعب استراتيجي يحظى بثقة الخصوم، مما يعزز نفوذها الإقليمي ويؤمن لها دعماً أمريكياً حيوياً لمواجهة تحدياتها الأمنية الداخلية، مثل جماعات “طالبان باكستان” وجيش تحرير بلوشستان. وفي المقابل، تمثل السعودية ركيزة استقرار عبر انتقالها من سياسات الاستقطاب إلى دمج إيران في منظومة إقليمية مستقرة. وتكتمل هذه المعادلة بالدور التركي، الذي يوظف عضويته في “الناتو” وسياساته الخارجية المستقلة للمناورة بين الأطراف المتنافسة. وتمتلك هذه الدول مجتمعة ثقلاً عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً يؤهلها لقيادة تكتل يملأ الفراغ الناتج عن تراجع الالتزام الأمريكي المباشر.
إعادة صياغة التحالفات والتوازنات الدولية
لم يعد النظام الإقليمي الجديد محكوماً بالولاءات المطلقة؛ فالعلاقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين، كإسرائيل، بدأت تشهد تمايزاً في الأولويات، حيث ترفض الإدارة الأمريكية إخضاع استراتيجيتها الكبرى لمصالح الحلفاء الضيقة إذا تعارضت مع خفض التصعيد. ويبرز تصريح جيه دي فانس كإشارة واضحة إلى أن الدعم الأمريكي المشروط ليس شيكاً على بياض للتحركات الأحادية. وبالتوازي مع ذلك، يفتح هذا النهج آفاقاً للتعاون التقني والاستخباراتي مع الصين، نظراً للمصلحة المشتركة في حماية طرق التجارة. إن هذا النظام الأقل هرمية يعتمد على “تعددية الأقطاب” حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الاستراتيجية الدولية دون ذوبان إحداهما في الأخرى.
آفاق المستقبل وتحليل السياق الراهن
بالنظر إلى التطورات الجيوسياسية الأخيرة، يظهر أن نجاح هذا التحول مرتبط بمدى قدرة القوى الإقليمية على تجاوز إرث النزاعات البينية وتحويل “الهدنة” إلى “تسوية مستدامة”. إن التوجه الأمريكي نحو منطقة المحيطين الهادئ والهندي (Indo-Pacific) يجعل من “تفويض الأمن” في الشرق الأوسط ضرورة استراتيجية لا خياراً تكتيكياً. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً في مدى تماسك الجبهات الداخلية للدول القائدة (مثل الأزمة الاقتصادية في باكستان أو طموحات رؤية 2030 في السعودية)، ومدى قدرة واشنطن على كبح جماح التصعيد الإسرائيلي الذي قد ينسف قواعد “مبدأ نيكسون الجديد”.
خلاصة
يمثل الاتفاق الأمريكي الإيراني تدشيناً لنظام إقليمي تعددي تقوده قوى مستقلة كباكستان والسعودية وتركيا، في تحول جذري يحول واشنطن من مهيمن مباشر إلى شريك وموازن استراتيجي خارجي.

